الأربعاء، 25 أبريل 2018

ترامب ومعمر القذافي


بمراجعة سريعة وخاطفة في محركات البحث بشبكة الانترنت، لتصريحات وخطب وحوارات، ومناظرات رونالد ترمب التلفزيونية أثناء خوضه معركته الانتخابية منافسا  لخصمه هيلاري كلينتون للفوز بالكرسي الرئاسي في المكتب البيضاوي، فليس من الصعب الجزم بما يفعله هذا العجوز الثري، بالولايات المتحدة الامريكية وبالعالم كله بعد أن فاز.
رونالد ترامب رجل عملي وواقعي وصريح لدرجة (الوقاحة) في بعض الأحيان، فهو بعيد جداً عن التلاعب بالالفاظ وتنميق الكلمات، لاتعنيه الدبلوماسية ولا الاعلام اللذان ربما كانا أحد أسلحة خصمه كلينتون التي لم توفق في استخدامهما فأنتصر ترامب بواقعيته ووضوحه. ولأنه صاحب راس مال كبير جداً وملياردير فهو رجل عملي بامتياز، والوقت مهما جداً لديه ففي شهر أبريل الماضي من هذا العام اتصلت به أحد القنوات التلفزيونية لتجري حواراً معه فقال بصراحة ووضوح شديدين "لو دخلت البيت الأبيض فسوف أعمل منذ اليوم الأول بصفتي رئيساً مع نائبي وفريق الإدارة والمستشارين، على أن نوضح لشعبي وللعالم ماذا سأعمل وكيف سأعمل لتتغير الولايات المتحدة الى الأفضل". وأضاف في ما معناه "أنا سوف أستخدم سلطاتي كما يجب، وسوف  أسعى وبشكل سريع لإحداث تغيرات كبرى وسوف أحكم الولايات المتحدة الامريكية بصورة مختلفة".
في أحدى لقاءاته التلفيزونية الشهيرة قال "أنا لست ملكاً، وسوف أحتاج دائما لدعم الكونجرس وموافقته على ماسوف أصدره من  قرارات"  لكنني، يضيف ترامب "سوف أتخد خطوات مهمة منذ اليوم الأول لوصولي البيت الأبيض من أجل إغلاق الحدود الجنوبية للدولة مع المكسيك وتأمينها وسوف أسعى على أن يتفهم جيراننا هذا الإجراء لمنع تدفق المهاجرين اللاتينيين. حتى لو تكلف الامر بناء سور على طول الحدود وبأموال مكسيكية".
ترامب كان يردد كثيراً "نحن الدولة الأكبر في العالم، نحن شرطي العالم كله، يجب على دول العالم أن تعرف هذا وتقدره، ويجب علي الدول التي تحتاج للمساعدة وبسط الامن  أن تدفع مقابل ذلك"، ويوضح أكثر فيقول "أن هيئة الأمم المتحدة لاتقوم بعملها على أكمل وجه خاصة في دورها في إنهاء النزاعات في العالم"؛ ولذلك يؤكد ترامب أن "منصب سفير دولته في الأمم المتحدة هو من أكثر المناصب أهمية وحساسية، وأفكر دائما في الرجل الذي سوف أختاره لهذه المهمة الصعبة، والتي من المفروض أن تُحدث تغييراً شاملاً وهائلاً في الأمم المتحدة".
في السابع والعشرين من شهر مارس هذا العام قال ترامب لجريدة النيويورك تايمز "لامشكلة لنا مع بشار الأسد، مشكلتنا الكبيرة مع تنظيم داعش" لذلك فهو لايخفي ولايخجل من مواقفه العدائية تجاه الاسلام والمسلمين، حتى أنه تعهد بمنع المسلمين من دخول أمريكا، ووضع كل مسلم داخل أمريكا تحت المراقبة الأمنية.
هكذا هو يتكلم بكل وضوح وإذا تطلب الامر تلميحاً فهويلمح بوضوح أيضا مثلما لمح إلى أعجابه بالدب الروسي فلاديمير بوتن، تم قال في أحد تصريحاته "من الممكن أن نجد لغة مشتركة مع روسيا في حربنا ضد داعش، فروسيا أيضا عدوها الإرهاب الإسلامي" (بحسب وصفه). هذا البهلوان يجيد اللعب بالبيضة والحجر فهو معجب بتصرفات المقاتلين الاكراد كما يردد أحيانا، وفي نفس الوقت يرحب بعلاقات جيدة ومتينة مع تركيا الإسلامية  فقال ذات مرة "لدينا إمكانيات لبناء علاقات ناجحة مع تركيا، وسيكون أمراً رائعا إن أستطعنا أن نفعل شيئاً ما معا، إذا فزت فسيكون هناك مشاورات ثنائية بدون تأخير"!!!!
ولم يتردد في التصريح علانية بأنه سوف يسعى لإفشال الصفقة النووية مع ايران، وفي نفس الوقت يلوح مهددا أبناء محمد عبد الوهاب ال سعود بشكل صريح فقال في أغسطس 2016م "يجب على السعودية أن تدفع لنا تدفع مقابل حمايتنا لها. نحتاج لنفطها كثيراً جداً" أما عن أسرائيل فلم يتردد في التأكيد على  أنه كان يدعم إسرائيل منذ ولادته، ووالده أيضا كان يدعم الدولة اليهودية، "ولن أتردد في دعمها باعتباري رئيسا للولايات المتحدة الامريكية".
وعن نظرة ترامب الى  ليبيا نشر موقع (بازفيد) الأمريكي الشهير تقريراً ملخصه أن "ترامب سعى لإقامة مشروعات استثمارية مع معمر القذافى قبل عامين من الإطاحة به عام 2011". ولم ينكر ترامب هذه العلاقة التي صرح بها لمراسل  شبكة (سى بى إس) الأمريكية فقال له: "نعم.. دفع لي القذافى مبلغا كبيرا مقابل تأجير مكان كان يفترض أن يبني فيه خيمته غيرأن ذلك لم يحدث بسبب احتجاج سلطات المدينة في ذلك الوقت". وفي أحدى مناظراته التلفيزيونية قال ان "ليبيا تمثل إحدى الكوارث التي تسببت بها كلينتون" ويضيف "قد نحتاج وقتا طويلاً للقضاء على داعش في ليبيا!!!".

الاثنين، 23 أبريل 2018

نشرالكتاب الورقي الليبي.. واقعه ومستقبله



ليبيا المستقبل

  • علي عوين رئيس إتحاد الناشرين الليبيين: تدهور الوضع الأمني، ساهم في تراجع نسبة إصدار الكتب
  •  مصطفى بديوي: لمكتبة  الفرجاني الفضل في طباعة المناهج التعليمية منذ منتصف الخمسينات.
  • أسماء الاسطى: عام 1955م تأسست أول مطبعة حكومية .
  • منصور أبو شناف: أصل المعرفه في الكتاب، والمكتبات المدرسيه التي توجد الان مجرد مباني فقط
  • عبدالله مليطان: لا توجد في ليبيا لا سابقا ولا الآن مطابع للدولة مختصة بالكتاب.
  • محمد بشير :  معظم طباعة الكتب يتم بالخارج لجوده الطباعة ورخص الأسعار مقارنة بالداخل.
  • عمر جابر  : حركة النشر في ليبيا في الوقت الحاضر تعاني حالة عدم الاستقرار الامني.
في دراسة للدكتور مصطفى محمد بديوي تناولت جوانب مهمة للنشر في ليبيا  بين فيها أنه " عند استعراض
عتتاريخ حركة النشر في ليبيا، فاننا لا نجد في مخزوننا الثقافي التوثيقي إلا مكتبة الفرجاني التي تعتبرواحدة من
أولى دور النشر الخاصة في طرابلس، وربما في ليبيا. حيث ارتبطت هذه المكتبة التي تأسست في1953م
في ذاكرة القراء بالمؤلفات التي أهتمت بتاريخ ليبيا، وكانت تختار ما تنشره بعناية فائقة ويرجع للمكتبة 
الفضل والريادة في طباعة بعض المناهج التعليمية وذلك في منتصف الخمسينات "، فيما تؤكد الباحثة الليبية
أسماء مصطفى الاسطى صاحبة أول عمل بيبلوغرافي حول القصة الليبية أن  "عام 1955م كان مهماً لتفعيل 
حركة النشر في ليبيا ففيه تأستت أول مطبعة حكومية في العاصمة، وباشرت في نفس العام بطباعة أوائل 
مؤلفات الرواد من الأدباء الليبيين فيما تولت مكتبة الفرجاني مهمة توزيع هذه المؤلفات.".
ولايتسع المجال هنا لللاشارة الى تاريخ حركة النشر الورقي في ليبيا بشكل مفصل، لكنه من المفيد (ربما)
الإشارة الى أنه رغم كون اتحاد الناشرين العرب تأسس في ليبيا عام 1995م، ألا أن الناشرين الليبيون
 ضلوا بلا رابطة أو نقابة أو اتحاد أو حتى جمعية أهلية تربطهم وتهتم بقضاياههم حتى عام 2003 حين تأسست أول رابطة ليبيية تهتم بالناشر الليبي تحت مسمى رابطة الناشرين الليبيين.
هذا الاستطلاع يستكشف بعض ما الت اليه حركة النشر للكتاب المطبوع في ليبيا في السنوات الخمس الأخيرة
من حيث تراجع مكانته أو انحسارها، ويعرض لمستقبله أيضا من وجهة نظر متخصصين ومهتمين بحركة
النشر الليبي. ففي مطلع شهر يناير عام 2014م، أجرت محطة "البي بي سي نيوز افريكا المسموعة" 
حوارا أذاعيا مع  الكاتب الصحفي الليبي الاستاذ منصور أبو شناف قال فيه "أن حركة النشر لازالت سيئة، 
رغم اننا نشعر جميعا بالتغيير الذي حصل، واننا الان نعبر عما نريد ونكتب مانريد" ودلل على ذلك بقوله:
"انه يمكنك أن تؤلف كتاب وتطبعه فقط لانه لن يغادر المخازن"، وأشار بوشناف لمقالة كان كتبها ونوه فيها
إلى أن الحكومة الليبية تقتل الكتب بسبب طبعها وتخزينها فقط دون الاهتمام بتوزيعها والتشجيع على
اقتنائها والاطلاع عليها ". وأشار منصور بوشناف في تلك المقابلة الاذاعية إلى أن "أصل المعرفه في الكتاب،
لذا من من الضروري أن تضطلع وزارتي التعليم والثقافة بمسؤوليتهما في توفير الكتب في المكتبات المدرسيه
التي توجد كمباني فقط ولكنها تفتقر للكتب الكافية".
محمد بشير الفرجانى مدير مكتبة الفرجاني فرع حي الاندلس، يقول لصحيفة فسانيا أن مكتبته "واحدة من
سبعة فروع  تابعة لدار الفرجاني الليبية للنشر والتوزيع، هذه الدار التي تعد من اوائل دور النشر العربية،
ولكنها تعرضت للإقصاء فى عهد القذافى وتحديداً فى منتصف السبعينات حيث أُممت الدار والمكتبات وهاجر
والدى الى لندن واحيا الدار من جديد وفتح فرع لها فى القاهرة فى نفس الفترة، وفى أوائل التسعينات رجعت
الدار الى بمقرها الأساسي فى طرابلس وأنشئت عدة مكتبات وزاولت نشاط النشر من جديد، وعلى مدى
تاريخها الطويل والعريق نشرت دار الفرجانى نشرت الدار حوالى ألف عنوان في مختلف صنوف المعرفة.
وبعد قيام الثورة في فبراير 2011م  شهدت الدار نقلة نوعية فى اصدار منشورات جديدة تواكب احداث
الربيع العربى واستفادت من إتساع هامش الحرية.".
يذكر أن أحد المكتبات التابعة لدار الفرجاني والكائنة بوسط  طرابلس، كانت تعرضت خلال شهرمارس من
العام الماضي، للمداهمة من قبل مجموعات مسلحة، وقامت هذه المجموعات بمصادرة مجموعة من الكتب
بسبب الاشتباه في عناوينها، وكذلك تعرضت للقفل لفترة وجيزة تم سمح للمكتبة بمواصلة تقديم خدماتها
لروادها من جديد، إغلاق المكتبة بحسب ماوضحه محمد بشير سببه تلقي بلاغات تبين عدم صحتها فيما بعد
تشير الى ان المكتبة تعرض وتبيع في كتب منافية للدين الإسلامي وتمس الذات الإلهية.
ويرى محمد الفرجاني  إلى أنه "قبل التطرق للصعوبات والتحديات التى تواجه حركة النشر فى ليبيا يجب
على الدولة  أن تسعى بكل السبل للرقى بالثقافة والتعليم والفنون والآداب، وذلك من خلال القيام بعديد من
الاجراءات التي من ِانها أن تسهم في نشر الكتاب. وأهمها تفعيل المكتبة المدرسية واعتبارها جزء من  المنهج،
ونشر حب القراءة وتزويدها بالكتب. وكذاك بناء المكتبات العامة فى جميع المدن والقرى الليبية، كما يمكن
شراء نسبة من كمية الكتب التى تصدرها دور النشر الليبية وتوزيعها على المدارس والمكتبات العامة.
ويستدرك الفرجاني قائلاً أن دعم دور النشر لايكون من خلال تقديم الدعم المادى وانما يمكن جعل سعر
 صرف الدولار بالسعر الرسمى لدور النشر وخصوصاً ان معظم طباعة الكتب يتم بالخارج لجوده الطباعة ورخص الأسعار مقارنة بالداخل. كما يقترح الفرجاني أن يكون لليبيا معرض دولى للكتاب مثل بقية الدول العربية ويكون له تاريخ محدد فى جدول المعارض العربية إضافة لضرورة تقدير الأدباء والناشرون الليبيين بأقامة جائزة
 سنوية للمتميزين منهم.".
وخلال الدورة الثانية والثلاتين لأنعقاد معرض تونس الدولي للكتاب والذي شاركت فيه ليبيا بنحو سبعين
عنوانا وبكميات محدودة جداً، صرح صاحب مكتبة الشعب، والرئيس السابق للاتحاد المغاربي للناشرين،
ورئيس إتحاد الناشرين الليبيين، علي علي عوين لبعض وسائل الاعلام بأنه "مازال هناك عدد لابأس به من
الكتب التي تصدر داخل ليبيا، رغم تدهور الوضع الأمني في ليبيا، الذي ساهم بشكل كبير في تراجع نسبة
إصدار الكتب لاسيما في ظل سيطرة الميليشيات على أجزاء كبيرة من البلاد كما أن أغلب الكتاب هاجروا
إلى مصر وتونس وتوقفوا عن الكتابة".
علي عمر جابر مدير دار البيان للنشر والتوزيع  ببنغازي قال "حركة النشر في ليبيا في الوقت الحاضر تعاني من أمرين أساسيين هما حالة عدم الاستقرار الامني، وارتفاع سعر الدولار القياسي"، وهذان الامران بحسب راي
جابر "أثرا سلبا على حركة النشر"  ولكنه يستدرك قائلاً  "أن الاقبال على الكتاب يتزايد رغم هذه الظروف
وهو ما لحظناه من خلال معارض الكتاب التى أقيمت في عدة مناسبات بمدينة بنغازي، فطباعة كتاب جديد
الآن وسعر الدولار أكثر من ثلاثه دينار ليبي  يعني ان الكتاب الصغير قد تصل تكلفة طباعته فقط الى 
عشرة دينار  ليبي وهو أمر غير منطقى على الاطلاق.". من ناحية أخرى أكد على جابر "أن هامش الحرية في
ليبيا متوفر وكفيل بأن يمنح كل من اراد الكتابة والتعبير" ولكن النشر  بحسب قوله "لا يتعلق بالحرية فقط
وإنما بالإمكانيات للنشر كالصناعة وفي مقدمتها الطباعة وتكاليفها"  ويضيف على الجابر "هناك عدد من
الناشرين يواصلون النشر رغم الظروف لكن تظل عدد إصداراتهم دون طموحاتهم ودون تحقيق الحد الأدنى
الكفيل بمواصلة نشاطهم واغلبهم حاليا نشاطهم مركز على تجارة وبيع الكتاب".
ويتفاءل على جابر بمستقبل النشر في ليبيا معتقداً "أن الفترة القادمة ستشهد طفرة كبيرة في حركة النشر بالنظر الى الحاجة الملحة لتوفير الكتاب خاصة في ظل تأثر العديد من المكتبات بالأحداث الحالية وضرورة مد المكتبات
العلمية بالجامعات والمعاهد العليا بالجديد من الكتب والمراجع العلمية " متمنياً " أن يتحقق الاستقرار في ليبيا
قريبا.".
الدكتور عبدالله سالم مليطان مدير ادارة مؤسسة مليطان للبحوت والدراسات والإنماء الثقافي التي تأسست عام 2010 م قال أن "تأثير واقع البلاد يبقى واضح جدا من خلال التدبدب في صدور الصحف اليومية التي تحولت
الى ثلاث ايام في الأسبوع والاسبوعية التي باتت تصدر نصف شهري إلى التوقف غالبا ما بالك بنشر الكتاب
الذي يتطلب امكانات أكبر من الصحف من حيث التكلفة والامكانيات." ويؤكد مليطان ان "النشر عموما في
ليبيا، ونشر الكتاب بشكل خاص ليس من اولويات الدولة عموما فهي لم تعطي الأمر اهتماما ومن تولى
ادارة المؤسسات المعنية بالنشر إلا القلة لم تكن تعنيهم مسألة اقامة صناعة للنشر في البلاد، لأن هذا سيحول
دون النشر في الخارج وما يترتب على ذلك من مهمات وسفر وغيرها " ويضيف أيضا أنه "لا توجد في ليبيا
لا سابقا ولا الآن مطابع للدولة مختصة بالكتاب، كما وأن ارتفاع سعر التكلفة والعزوف عن القراءة ايضا
للأسف غير مشجع لأن يضطلع بذلك القطاع الخاص." ويستدرك مبينا "أن التجربة الوحيدة التي قامت بها
الدار الجماهيرية سابقا، وهي تأسيس مطبعة للكتاب وتدريب شباب ليبيين"  لكن من ادار هذه المؤسسة بعد ذلك
باعها لشركة المطابع والتي بدورها استثمرتها في الطباعة التجارية الأكثر مردودا ماليا..!!" وعن مستقبل النشر
يرى مليطان "أنه لن يكون هناك مستقبل لصناعة الكتاب إلا بتبني الدولة للطباعة في الداخل وبالسعر المدعوم
حتى يتمكن القارئ من اقتناء الكتاب بسعر يتوافق وقدراته المالية وهو ما سيشجع من تم الكاتب في أن يحصل
على مكافأة مجزية لانتاجه لأن ما يدفع له سيحمل بالطبع على سعر الورق والحبر واليد الفنية العاملة".
سالم أبوظهير

الأحد، 22 أبريل 2018

"فسانيا".. جريدة ليبية تقاتل بلا سلاح



 "فسانيا" اسم لجريدة ليبية، تصدر من مدينة سبها عاصمة الجنوب الليبي، تأسست في الثالث والعشرين من شهر نوفمبرعام 2011. كان مقرراً لها أن تكون يومية  بدأت بالصدور مرة كل شهر ثم أسبوعية. يبذل شبابها خلال عملهم الصحفي الشاق جهوداً خارقة لتستمر، عملهم الذي يتواصل في أحلك الظروف وبإمكانيات شديدة البؤس، فقدوا زميلا ً نشطا لهم بعد أن اغتالته يد آثمة لا تريد لعجلة "فسانيا" أن  تدور. ثم فقدوا زميلاً آخر لهم أنهكه العمل الصحفي الشاق فمات.
استمرت "فسانيا" لتصبح جزءً من المعركة، ولتقاتل بشكل آخر، مختلف تماماً عن القتال بالسلاح الذي يقتل البشر، ويفتك بالحجر. كانت كتيبة "فسانيا" بقيادة امرأة من نوع آخر تقتل الجهل وتقتل الكراهية وتقتل الانقسام، ليبقى الجنوب واحداً لا ينقسم وجزءً مهماً من الوطن الكبير ليبيا.
كتيبة "فسانيا" المجهزة بأبسط أنواع الأقلام وعلب الألوان والمساطر، وأرخص أنواع الحواسيب ومستلزمات القرطاسية والأثاث المكتبي. كانت ولا تزال تقاتل بالحرف الجميل وحده، ولم تتوقف عن الصدور إلا إذا عجزت المطابع العامة عن الدوران، بل وفي أحلك الظروف وقت توقفت جميع الصحف الليبية العامة والخاصة عن الصدور، ظلت شعلة "فسانيا" تنبعث من الجنوب الحبيب، فتعاقدت إدارة "فسانيا" مع مطبعة خاصة بمدينة بنغازي.
كتيبة "فسانيا" المدججة بأسلحة أشد خطورة من سلاح (الأربعطاش ونص) و(البي كي تي) و(الكلاشنكوف)، استمرت في إطلاق قذائف المعرفة والثقافة والحب والخير والجمال، يواجهون به من ينادي بتقسيم الوطن، ومن ينشر الكراهية ومن يعبث بأمن المواطن، ومن يسرق ومن يقتل ومن يزايد على "فسانيا" بحب سبها والجنوب وليبيا الوطن. وأثناء قتال "جنود" كتيبة "فسانيا"، لم يحفلوا بمرتبات بعضهم التي توقفت لشهور، ولم يلق مقاتلو "فسانيا" بالاً للضغوطات النفسية والمعنوية والمادية ولا حتى لرسائل التهديد بالقتل والاختطاف. لذا استمر قتالهم  حتى انتصروا أو حتى لاحت  لهم بشائر النصر.
هذه الكتيبة المقاتلة بالأقلام ولوحات (الكيبورد) وشاشات (المونيتر)، تواصل نشاطها في الظل وبهدوء. ويفضل شبابها العمل في صمت، فلم تكتف بأن تصدر عدداً مميزاً كل يوم أحد، بل تحولت الى أيقونة ودرة من الجمال تزين الجنوب الليبي، وإلى مؤسسة علمية وصرح مهم من صروح المعرفة في الجنوب تسهم في نشر المعرفة ويعم خيرها الجهات الأربع للوطن الكبير. أقامت "فسانيا" أكثر من عشرين ندوة وورشة عمل تناولت خلالها العديد من القضايا المهمة على الساحة الليبية، واستضافت شخصيات ثقافية وفكرية وعلمية وسياسية. ورغم شح الإمكانيات نظمت فسانيا جلسة مناظرة نقلت على الهواء مباشرة قبل انتخابات المجلس البلدي في سبها، وكانت ناجحة بمختلف المقاييس. كما أشرفت على تدريب وتخريج متخصصين في التنفيذ والإخراج الصحفي، وتأهيل الكثير من الإعلاميين الموجودين حالياً على مختلف ساحات الإعلام.
هذه "فسانيا" التي ينشغل بالي عنها دائما وأنا أترقب صدورها كل أسبوع وأتساءل: كيف لاتتوقف عن الصدور؟ وكيف يعرف أهلها النجاح؟ وهم يقدمون أسبوعياً عدداً مميزاً يستحق الُإشادة والتقدير؟
ثم أسال - وهذا المهم- لماذا يحب أهل فسانيا بلادهم بهذا القدر؟

سالم أبوظهير


السبت، 21 أبريل 2018

الاخوان المسلمون في ليبيا. تفكك أم تراجع أم إعادة حسابات ؟؟




 الاخوان المسلمون في ليبيا. تفكك أم تراجع أم إعادة حسابات ؟؟

مع بداية هبوب رياح الربيع العربي في مطلع عام 2011م، تسارعت الاحداث وتلاحقت بشكل مختلف وغير اعتيادي، لم تشهده المنطقة العربية من قبل. هذه الرياح قلبت كل الموازين حين طارت ببن علي من تونس ليحل ضيفا على المملكة العربية السعودية، وأدخلت حسني مبارك السجن، واقتلعت اوتاد خيمة معمر القذافي ومات، وأودت بحياة على عبد الله صالح، ولايزال تهديد هذه الرياح قائماً يستغفل الشعوب، ويقلق ويهدد الحكام في باقي دول المنطقة.
في ليبيا التي لايزال أهلها يحصدون سبع سنوات عجاف، ويأملون بصبر منقطع النظير في حصاد مثمر، بعد ان دفعوا الغالي والرخيص، في سبيل أن يتذوقوا بعد الربيع المر حلاوة الديمقراطية والعيش بسلام في دولة مدنية يسودها السلام والعدل والامن والرخاء. حيت تلوح في الأفق بوادر مطمنة لتخرج البلاد من غبش الخوف والظلام الى نور وامان، وهي تستعد لخوض انتخابات للمرة الرابعة في تاريخها لتنتخب رئيسها ومجلس نوابها وتستفي على دستورها.
هذه الانتخابات التي ستنطلق في ليبيا قريبا يراها رجل الشارع طوق النجاة وبارقة الأمل، هي في نظر المتصارعين على السلطة وكرسي الحكم، وسيلة وغنيمة لابد من خوض غمارها بقوة وذكاء، فتزاحم الملاحون بقضهم وقضيضهم، وبخبرة أو بدونها، أفراد و أحزاب وجماعات، فيهم من اعلن بشكل مباشر انه سيخوض هذه الانتخابات ويترشح للرئاسة، وفيهم من لمح عبر قنوات إعلامية او عبر وسائل التواصل الاجتماعي انه سيفعل ذلك ، وهذا امر طبيعي ومعروف ومشروع أيضا وليس مستغرب ، لكن الغريب في الامر أن تحجم جماعة الاخوان المسلمين عن التصريح أو التلميح عن نيتها من عدمها في خوض هذه الانتخابات حتى الأن .
الاخوان المسلمين في ليبيا أثبتوا، بعد ثورة فبراير 2011م أن لديهم ما يكفي من الدهاء السياسي الذي يمكنهم من المشاركة في المشهد السياسي، والوصول للسفينة وقيادتها ولو تأخروا.
الشاهد على ذلك انه في أوائل شهر ديسمبر 2016م قال مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي السابق لإحدى القنوات الفضائية المهتمة بالشأن الليبي " أن الاخوان المسلمين في ليبيا التحقوا بثورة السابع عشر من فبراير متأخرين بعد ثلاثة أشهر من انطلاقها وتحديداّ في شهر ابريل2011م، وكان لهم دور كبير ومميز فيها، لكنهم غير صادقين ، لان مصلحة الجماعة عندهم مقدمة على مصلحة الوطن ، لذلك عرفهم الليبيون ولن يكون لهم وجود ولن يعودوا للمشهد السياسي  "  هذه شهادة من رجل حكم البلاد فترة وجيزة لكنها مهمة وحرجة ، فقد مكنته من التعامل مع كل الاطياف  وشهادة يحسب لها  حساب من عبد الجليل الذي يصنف نفسه غالبا على انه من الاخوان السنوسيين وليس المسلمين. 
وحتى بلا حساب لما قاله عبد الجليل، عن وصول الاخوان المسلمين متأخرا لقافلة الثورة، وركوبهم فيها وقيادتهم لها من بعد، فقد كان لهم تواجداً مهما وفاعلاً في المجلس الانتقالي، وبعده في السلطة التشريعية للبلاد التي كانت متمثلة في المؤتمر الوطني العام، وأيضا في السلطة التنفيذية المتمثلة في حكومة على زيدان المؤقتة، ولايزال الاخوان المسلمين في ليبيا يسيطرون بذكاء وحزم ودهاء على عدد من مفاصل الدولة الليبية الرئيسية.
ولا يمكن للمتابع للمشهد السياسي الليبي أن ينسى، كيف استفاد الاخوان المسلمين في ليبيا بعد ثورة فبراير من خبرتهم السياسية ووظفوها في صالحهم حين حانت الفرصة ليصلوا للسلطة ويحكموا البلاد رغم هزيمتهم في الانتخابات السابقة، حين تحالفوا مع أنصار الشريعة ومع المقاتلة ومع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، ومع بعض المستقلين أيضا وتمكنوا بذلك من اقصاء خصمهم اللدود محمود جبريل مرشح حزب تحالف القوى الوطنية في سابقة لم تخطر على بال أحد.
يذكر أن حزب العدالة والبناء، تأسس في مارس 2012م، وشعاره الذي يرفعه باللغتين العربية والأمازيغية هو "معًا نرسخ الديمقراطية والتوافق". وهو حزب مدني تنفي قياداته ومؤسسيه انتماؤه لأي جماعة او حزب أخر، لكن البعض يؤكد أنه الذراع السياسي لجماعة الاخوان المسلمون التي أستقبل الملك ادريس السنوسي ثلاثة منهم في عام 1949م، وهم "عز الدّين إبراهيم، ومحمود الشّربيني، وجلال سعدة" ، ووفر لهم الحماية الكاملة ،بعد أن فروا من مصر بسبب اتهامهم باغتيال محمود فهمي النقراشي رئيس وزراء مصر آنذاك ، ثم التحقت بهم مجموعة أخرى 1954، بعد فشل محاولتهم اغتيال جمال عبد الناصر، ونجحت المجموعتان في تأسيس أول تشكيل تنظيمي لهم في طرابلس عام 1968 م.  وانخرط عدد مهم من الليبيين في هذه الجماعة منذ خمسينيات القرن الماضي، وكان شعارهم " الله غايتنا والرسول قدوتنا والقران دستورنا الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أقصى أمانينا". ولم يسمح لهم بعد عام 1969م بممارسة نشاطهم الحزبي في ليبيا، واعتبروا جماعة محضورة من ممارسة نشاطها السياسي أستناداً على قانون صدر عام 1972م الذي قضى بتجريم التحزب، ونص على أن الانخراط في أي حزب أو جماعة جريمة يعاقب عليها بالإعدام.
وفي دراسة نشرتها منظمة فريدريتش بينت أن حزب العدالة والبناء في بداية تأسيسه " كانت لديه رغبة واضحة في الانفتاح؛ حيث أظهر التزامًا بمبدأ المشاركة مع الآخرين، وقد ترشح بعض الشخصيات لرئاسة الحزب ولم تكن من الإخوان، كما شاركت خمس نساء في الهيئة العليا للحزب، كما أن اختيار اسم الحزب جاء على غرار التجارب المغربية والتركية، ولم تكن الديمقراطية وحقوق الإنسان محل نقاش بين المجتمعين في الثاني والثالث من مارس عام 2012"(فريدريتش، ص ،2015).   
كما أن الغالبية العظمى من المنتسبين لهذا الحزب، أما كانوا خارج البلاد هربا من بطش النظام السابق، أو كانوا من ضمن من زج بهم القذافي في السجون وقد سبق وأن حكم علي رئيس هذا الحزب بالسجن المؤبد، قضى منهم ما يقارب من ثماني سنوات بإحدى غرف سجن أبوسليم حتى خرج من السجن يعد ثورة فبراير 2011م.
وقد حل حزب العدالة والبناء في المرتبة الثانية بعد تحالف القوى الوطنية خلال الانتخابات البرلمانية التي أقيمت في عام 2012 م حيث كسب الحزب سبعة عشر مقعداً من أجمالي ثمانين مقعد كانت مخصصة للأحزاب، فيما تحصل منافسه على الترتيب الأول بتسعة وثلاثين مقعدا، وقد وضفت قيادات الحزب هذا الفوز توظيفاً مثاليا حيث كثفوا من نشاطهم السياسي داخل إطار الدولة ومرافقها فتغلغلوا في كل المؤسسات السيادية للدولة فتقلدوا أعضاء من الحزب بعض من وزارات الحكومة كالغاز والنفط، والإسكان ومرافق الشباب والرياضة والاقتصاد، وغيرها أجهزة الدولة المهمة، ومؤسساتها السياسية والأمنية والعسكرية.
مع بداية عام 2012م، وتصاعد التجاذبات السياسية داخل "المؤتمر الوطني"، ارتبط عدد من الأحزاب السياسية الليبية بكتائب مسلحة، كانت تقاتل قوات النظام السابق قبل نجاح ثورة فبراير، وقامت هذه الأحزاب بدعم هذه الكتائب بمزيد من السلاح والمال وتجنيد المقاتلين أيضا لتكون تحت اشرافها كانت قد دعمتها، ولذلك ارتبط حزب العدالة والبناء بــما يعرف بلواء الدروع، وهو لواء عسكري قوي جداُ يضم في صفوفه عدد كبير من المقاتلين الليبيين، وينتشر هذا اللواء في عدد مهم من المدن.
ويصف أحد قيادي الحزب " بان حزبه لم يفرق بين العمل الدعوي والعمل السياسي وانه خلط بين الاثنين، وأن أكبر الاخطاء التي ارتكبها الحزب هو عدم تفريقه بين مقاصد العمل الدعوي والعمل السياسي، لذلك يجب أن يصحح حزب العدالة والبناء مساره، وسياسته التي هي أقرب للعمل الدعوي منها للعمل السياسي حتى لا يقع ضحية من بعض الثوار الذين لا يعرفون حقيقة الحزب ودوره الايجابي ويفتح الباب أمام المفتنين والمتسلقين على حساب الثورة"
ويبدو أن شعبية الاخوان المسلمين في ليبيا في تراجع، فقد أصدر مؤخرا ما يقارب من أربعين شخصية ليبية من الحقوقيين والصحفيين والمدونين ونشطاء المجتمع المدني بياناً على خلفية ما صرح به نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني السابق  حول دعم الحرب في بنغازي بالسلاح    مطالبين بسحب ترخيص عمل حزب العدالة والبناء وإعلان جماعة الإخوان المسلمين الليبية جماعة محظورة " ومطلع الأسبوع الفائت قال محمد حسن صوان رئيس حزب العدالة والبناء لإحدى القنوات الفضائية أن "هناك أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا انسحبوا من الحزب، نظرا للمواقف التي اتخذها إزاء بعض القضايا، لا سيما منها المشاركة في الاتفاق السياسي المنبثق عن اتفاقية الصخيرات المُوقعة في 17 ديسمبر من العام 2015".
وأكد أيضا أننا نتعرض لحملة من التشويه الإعلامي، وان مقرات حزبه تعرضت للقفل والتدمير والحرق بالكامل في بنغازي وطرابلس ومصراته، وطالب عدد من الناس بقفل مكاتبنا، ولكننا لانزال صامدين رغم اننا لا نجد شريكا لنا من الأحزاب الأخرى التي انتهت بسبب الحرب. 
محمد صوان وفي أخر ظهور له  صرح بشكل واضح أنه يرحب وحزبه بمساعي توحيد المؤسسة العسكرية في مصر، وانه يدعمها بقوة كما يدعم المجلس الرئاسي، وأن عملية الكرامة برمتها أهدافها نبيلة، وتحارب الإرهاب، وان من قدم روحه في هذه العملية نحسبه شهيد (بحسب تعبيره) وانه لابد من عودة مهجري بنغازي ولابد من المصالحة.
السؤال المفتوح الان ماذا يحدث تحديداً من جانب العدالة والبناء؟ هل سيخوض الانتخابات ؟ أم هل تفككت الذراع لجماعة الاخوان المسلمين ؟ وهل تراجع دورها وتنسحب بهدوء ؟ أم هو أعادة حسابات وتكتيك يعاد في كل مرة تحت عنوان أصل متأخراً لكنني أحكم؟؟؟!!!

سالم أبوظهير

الجمعة، 20 أبريل 2018

العِرق الليبي المدسوس


علم النفس الاجتماعي من العلوم الإنسانية الموغلة في القدم، والموجودة في مؤلفات أفلاطون وأرسطو، والذي امتد حتى القرن الرابع عشر الميلادي حين أسس له أبن خلدون وجعله علماً قائماً مستقلاً بذاته، مستنداً في ذلك على كتابات من سبقوه، فحاول تشخيص أسباب تطور الجماعات الإنسانية، وأسباب انحطاطها عن طريق توظيفه لعدد من العوامل أهمها كانت العوامل النفسية.
تطورعلم النفس الاجتماعي تدريجياً، وتشعبت فروعه وتداخلت، ولكن أخطر هذه الفروع على الإطلاق هوعلم النفس الجماعي والذي يدرس الظواهر النفسية للجماعات في المكان الواحد، ويطلق عليه أحياناً علم نفسية الجماهير، ويسعى العلماء عبر هذا العلم للتحكم في نفسية الجموع، وضبط سلوكهم والتحكم في تصرفاتهم، بل والتنبؤ بها، مستخدمين في ذلك أدوات ملموسة وظاهرة للعيان يمكن حسابها، وعدها والتحكم فيها، فاستعان علم النفس الجماعي ليدرس سلوك الجماعات ويتحكم فيها بعلم الاقتصاد واستخدم الأيديولوجيات الدينية أوالسياسية عبر وسائل الدعاية والإعلان المدروسة بعناية وموجهة للفرد ومحسوبة بدقة متناهية كما وكيفاً.  
وقد خطر ببالي أن أكشف بعض الظواهرالنفسية للفرد الليبي في إطار علم النفس الجماعي، وفي ظل ما يحدث في البلاد الليبية من تشرذم وانقسامات ومزايدات لاحد لها، مرة بالوطنية ومرة بليبيا وحدة واحدة وأخرى بدم الشهداء مايمشيش هباء وثورة فبراير خط أحمر،  فيما لا يعدم المزايدون باستحداث كلمة أو مجموعة كلمات يضفون عليها القداسة وعدم المساس لتكون سبيلهم (للعفس) على الرقاب (واجتثاث الرؤوس) و(قطع الألسن) التي تطالب بإيقاف هذا العبث الذي طال وأضر بالبلاد والعباد على حد سواء.
على ضوء معطيات علم النفس الجماعي الذي يهتم جداً بدراسة أسباب انقياد الجموع لشخص واحد تسلم له رقبتها عن طيب خاطر، ويدرس أيضا جاذبية وسحر هذا الشخص التي امتلكها ووظفها بذكاء ليمارس سلطته عليهم بطيب خاطر أيضاً، ودون أدنى اعتراض، بل يمكن لهذه الجماهير أن تضحي بكل ما لديها من أجل القائد أو الشيخ أو المعلم أو البطل ليتحول إلى رمز يتم وضع خط أحمر غليظ تحت اسمه، يتحول هذا الأحمر تدريجياً إلى دماء تسفك من أجل الوطن الذي وضع هذا الرمز نفسه وصياً عليه، رضي الآخرون بذلك أم لم يرضوا.
علم النفس الجماعي يبين في بعض فصوله أن الأيديولوجيا الدينية عند بعض الشعوب هي أخطر الأدوات المسلطة بالخطأ وبسبق الإصرار لتكون سيفاً لامعاً يجز الرقاب، وأن الملا أو الحاخام، أو الربي أو الشيخ أو المفتي أو الإمام أو البابا أو الفقيه، هم عند البعض بشر مثلنا لكنهم مختلفون عنا، فلا ينطقون عن الهوى، ولذا يجيده معظم الزعماء الدينيين في كل الأديان تقريباً وإذا ما حانت لهم الفرصة على توظيف هذا الدين بما يخدم مصالح أخرى لاعلاقة لها بالدين السماوي المنزل، ومن الجانب الآخر يسعى الإنسان بشكل طوعي ليصنع زعيماً وطاغية ويرى فيه المنقذ إذا ما برزت الحاجة لذلك.
علم النفس الجماعي علم مفيد ومفيد بشكل خاص وأكثر لأفراد المجتمع الليبي، لأن هذا العلم سينير عقولنا ويفسر لنا بوضوح الأسباب الحقيقية لتصرفات بعضنا العمياء، التي تؤدي بنا لنتحمس زيادة على اللزوم، لنصنع زعيماً بأيدينا مهما اختلف شكله ولونه ونوعه وحجمه، المهم أننا لا نتوقف عن اللهج والدعاء له لدرجة تقترب من التقديس وسواء دعونا له بالخير أو دعونا على من يمسه بسوء، أو أننا ألفنا القصائد لمدحه ودفعنا الأموال ليتغنى الآخرون بمثالبه وأمجاده ونحفظها نحن ونرددها بسعادة ومتعة، لكننا نخجل من تكرارها ونسعى بكل الطرق لمحوها من ذاكرتنا بعد موته أو بعد أن نقتله، لنواصل الانبطاح أمام زعيم جديد ننتظر ظهوره، ليخلصنا أو نصنعه نحن وتتكرر مأساة التهويل والتطبيل والتزمير في شخص واحد، كان قبل أن نصنع منه بطلاً زعيماً منقداً، شخصاً مثلنا يأكل ويشرب وينام، ويرضى بالضيم والقهر، ويعاني مثل ما نعاني وكان  صفق ويهتف ويغني ويسعى للتقرب من ذلك الشخص 
الذي قبله، شخص بعضنا سماه الزعيم وبعضنا من قتله. 
 سالم أبوظهير

الأحد، 15 أبريل 2018

ياوطن مانك صافي


 ياوطن مانك صافي من الترك للطليان للقذافي ..واليوم مافيا ..

هذا مطلع قصيدة حزينة ، أستمعت إليها في اليوتيوب بصوت الشاعر الشعبي الليبي معتز العرفي ، تلخص تقريبا حالة الحزن التي يعيشها الشاعر ، وهو يخاطب الوطن المكلوم ، والذي بحسب راي معتز ، وراي عدداً لابأس به من الليبيين ،وطناً مازال يعاني من أيام الاحتلال التركي الى يومنا هذا  . ولإن الحديث عن الأمس بما فيه من خير وشر لايفيد، (ربما) إلا بالقدر الذي يساعدنا على تجاوز مصاعب اليوم ،لذا لابأس من أن أتجاوزه ولو لفترة وجيزة على الأقل ،وأحاول الكتابة بشكل صريح وواقعي عن اليوم وعن الأيام القادمة .

نعم (نحن أولاد اليوم ) ، ولابد من أستعراض بعض مظاهر الارتباك الذي طال أمده ، نشير إليه بشجاعة ومكاشفة وشفافية ووضوح أكثر،لعل ذلك يهون من معاناة وطن يتخبط في دوامة البحث عن مخرج من متاهة معقدة،خطط لها أعداءه من الخارج ،وطبقها مواطنوه من داخله ..!!!. ولعل تكرار التصريح بوجود الداء رغم شدة وضوحه وألمه، وتكرار الإشارة إلي مواضع وجوده في جسم الوطن ، يساعد جداً على معرفة المزيد عن أسباب ارتباكنا بشكل مستمر مواطنون وساسة، وأسباب عجزنا عن الخروج من حالة الفوضى والمعاناة ، ويساعدنا بالتالي على أكتشاف مسارب نسلكها ربما تساعدنا ليكون اليوم أجمل والغد أكثر جمالاً .

حالة الفوضى والمعاناة هذه التي نعيشها، وسط بنية تحتية متدهورة، خاصة في المدن الكبيرة ، وقصور الخدمات في المدن الصغيرة والارياف والقرى ، وقصور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية العامة من صحة وتعليم ومواصلات وأسكان ،وعمل وغيرها ، والتي كان من المفروض توفيرها لكل مواطن ليبي في كل مكان في ليبيا دون أدنى تفريق بين المواطنين تحت أي مسمى ،وحالة الانفلات الأمني وتكرار حدوت جرائم القتل والخطف وقطع الطريق والسرقة والحرابة في وضح النهار  ، ومشاكل النازحين والمهجرين في الداخل والخارج ،وبقاء العملية السياسية تراوح في مكانها دون أي نجاح يذكر، وقصور الدولة في توفير الحد المطلوب من الامن الغدائي ، وعدم سيطرة الدولة على منافذها البرية والبحرية والجوية الامر الذي أدى بالبلاد للتحول إلى سوق مفتوحة ورائجة لتهريب السلع المخدرات والسلاح والبشر ، وأنتشار رائحة الفساد من كبار الساسة وصغارهم ، وغيرها من المؤشرات الخطيرة ، االتي جعلت من المواطن الليبي البسيط العادي ، خبيراً في أستشعار وتحسس رائحة الفساد الذي عم  في مفاصل الدولة المعطوبة .

هذه المؤشرات رغم خطورتها،أصبح المواطن الليبي يتعايش معها بصبر ويتقبلها على مضض وبشكل خاطئ ،وكأنها قدر لافكاك منه، مستنداً في ذلك على (ربك يسهل ) و (مايدوم حال ) و (توا تفراج) ،و (لعله خير ) ، و (الصبر باهي ) وغيرها من العبارات التي لانقلل من أهميتها هنا ، بل نحتاجها بكل تأكيد ،ولكن يجب أن لا نتوقف عندها ونصبر وننتظر ، فلن يتغير الحال مالم نغير من أنفسنا ، وماهذه العبارات التي نتداولها ، ونجعلها مشجب جاهز نعلق عليه خيباتنا إلا مجرد حقن مهدئه ،ومسكنات مؤقته ، لاتقاوم المرض ولاتقلل من حدته وخطورته ، بل العكس تماما سندمن عليها وستزيد من إطالة عمر الداء لأننا نسينا أن جل جلاله من نعتمد عليه دائما ونتوكل ، طلب منا وبشكل صريح أن نعمل وبعدها نتوكل عليه وبقوله تعالى (  وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ) .


التوكل على الله والصبر على الشدائد بدون عمل لامعنى له على الاطلاق ، ولن يحل أي مشكلة من المشكلات السابقة ، لإن الخروج من الازمات التي تعصف بالبلاد يتطلب بعد التوكل  والصبر العمل والتعاون والتكاثف والتخطيط المبني على أسس علمية سليمة ، تخطيط يساعدنا على التخلص وبشكل سريع وفعال من كل الحروب الواجبة والغير واجبة ،المشروعة وغير المشروعة ، والتخلص من رواسبها بعد أن تتوقف ، فكل الحروب التي وقعت في ليبيا  عمياء وغبية أيضا  أضرت بجسم المجتمع ، وعلقت به وأنهكته وأصابته بوجع شديد يكاد يمنعه من تحقيق أي هدف يتمناه كل ليبي أن يتحقق ، فلو توقفت نهائيا وتخلصنا من كل تراكماتها عندها سيعود للوطن صفاه ويخفت وينقطع نهائيا صوت الرصاص ويشعر المواطن بالحرية والامن والأمان والاستقرار وهذا ماسيكون فقط توقفوا عن قتل بعض ...!!

سالم أبوظهير

السبت، 14 أبريل 2018

إعلام ليبي من صوت واحد إلى أصوات نشاز


شَهد الإعلامُ الليبي ولفترة طويلة، سياسة الخِطاب الواحد، الخاضع بشكل مطلق للحاكم الذي أحكم قبضته على كل ما يُكتب ويقال، وعلى ماكان يبث ويذاع من صياغة الأخبار إلى المسلسلات، مروراً ببرامج المنوعات وبرامج الأطفال، كلها لاتخرج عن إطار ومنهج النظام الجماهيري. وهذا تحصيل حاصل باعتبار أن أي نظام يكون فيه الحكم الفعلي بيد حاكم واحد، فسيكون الناتج صوت إعلام واحد يجتهد كثيراً ليطيل بقدر ما يمكن مدة حكم حاكمه. لذلك عاش الليبي فترةً طويلة وهو يتغنى بالموال الجماهيري ويصحو وينام على أصواتِ الدعاية الموجهة لخدمة النظام الذي استلم البلاد في سبتمر 1969 وانتهى في  أكتوبر 2011.
وقبل نهاية القذافي بسنوات، تغيرت الخريطة بامتلاك الليبي (للساتلايت) كدالة قوية على أنه جزء من العالم كله، ويود أن يستعلم عن مايحدت خارج السور، ويعرف مايدور داخل بلاده من خارجها، فباعَ سيارته، أو قطعة من أرضه، ليتمكن من ذلك. حدث هذا وسط سيطرة قوية على الإعلام من قبل الحاكم الذي كان لايملك إلا أن يشارك مواطنيه فضولهم، فخصص مكانا (للدش) خارج خيمته، مع محاولاته المتكررة الخجولة لطرح البديل ولكن دون جدوى.
في بداية 2011، اعتمد النظام على الإعلام محاولاً من خلاله حث الليبيين على الصبر، مؤكداً لهم أنهم لو استكانوا وهادنوا هذه المرة، فستكون الأمور كلها طيبة وكما تمنوا أن تكون من أربعين سنة. ولكن فات الأوان، وبدأت الحرب الحقيقية بين إعلام محلي فقير بائس، وإمكانيات متواضعة، وجنود جدد ،يحكون للمواطن بكل ثقة (وصحة وجه) عن المربوط الليبي وحتشبسوت والرياح الصفراء، والأولياء والصالحين الذين يحاربون مع  القذافي، وبين إعلام خارجي لايتوقف عن الكذب، فالقذافي هرب لفنزويلا، وميناء مزدة الواقعة على أطراف الصحراء تعرض للتدمير، وفشلوم تقصف بالصواريخ، وشوارع طرابلس مغطاة بالجثث.
وعلى مدى ثمانية شهور، نالت ليبيا نصيباً مهماً في القنوات العالمية كالسكاي نيوز والسي ان ان،والبي بي سي  وغيرها، والتي سمت المقاتلين ثواراً ونقلت معاركهم وبطولاتهم، وأمسياتهم مع (شاهي الحرية المنعنع )، دون أن يكلف أحداً نفسه عناء السؤال مامصلحة العرب والغرب كلهم في صراع ليبي ليبي هدفه إسقاط النظام.
سقط القذافي ومات. وانتهت الحرب بخيرها وشرها. وغادر إعلام العالم ليبيا وتركها وشأنها، واختفى الثوار من الشاشات، ولم نعد نراهم في الإعلام الخارجي الا كمليشيات تسطو على المصارف، وتنهب الطرقات، أو أمام أبواب السجون القابعين فيها وبوابات المستشفيات المطرودين منها كجرحى، بعد أن سمسر فيهم بعض ضعاف النفوس والحذاق، وتخلت عنهم الثورة التي بُتِرت أطرافهم من أجلها. 
بعدها بقليل، مرة أخرى وقعت البلاد تحت رحمة الإعلام المسيس، الذي تخلص من قيـود الخطاب الإعلامي الحكومي، ليقع في قبضة رأس المال الخاص، وفي غياب مواثيق شرف المهنة، فقد بعض الإعلامين وظيفتهم الأساسية المتمثلة في إعلام الناس بالخبر اليقين، ليتحولوا إلى أدوات تحقق مكاسب خاصة لملاك القنوات، وصار لزاماً على المواطن أن يستقبل ويستهلك غصبا عنه مختلف الآراء والتوجهـات، التي وإن كانت محرمة في الماضي، ولكن ضررها كان أقل مما يحدث الآن، من تطبيل لتحقيق المنافع الشخصية وإن كانت تتعارض مع مصلحة الوطن.
وهنا عندي سؤال: أيهما أنسب لنا إعلام بائس بصوت واحد، يخدم شخصاً واحداً ولا ينفع أحدأً غيره، أم إعلام متعدد الأصوات، 
.يقلب الحقائق وينشر الفتن بأصوات نشاز ليخدم مصلحته فقط ويضر بمصلحتنا جميعا ؟ هذا مجرد سؤال ولاشىء عليه
سالم أبوظهير