الجمعة، 24 نوفمبر، 2017

بيان المحجوب ضد الكهنوت الإسلامي



(لابد من تفكيك نظام الأكليروس الإسلامي لكي ننظر إلى العقيدة كما يجب، ابحثوا عن المتسلطين ووكلائهم إذا أردتم أن تفهموا عقيدتكم على حقيقتها)

على هذا النحو الذي لا تنقصه الحدة ختم عبد المنعم المحجوب بيانه الموجز ضد الكهنوت الاسلامي، الذي أعلن فيه بحرص وجرأة حربه الفكرية ضد بعض الموروث القديم البالي في الفكر الإسلامي عبر تاريخ هذا الفكر الممتد لعدة قرون ، مطالباً بشكل صريح بثورة فكرية نظيفة ، تخلص الإسلام كدين سماوي من شبهات واردان طالته وعبتث به وشوهته وسخرته لمصلحتها السياسية والاجتماعية ، على يد طوائف وجماعات وافراد من بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقليل وصولاً إلى عصرنا الراهن، داعيا بشكل صريح  على وجوب تغيّير منظورنا بشكل جذري وكامل بما علق بتراث الدين الإسلامي السمح اليسير. متسائلا بذكاء في اول سطر في كتابه ( هل نحن على استعداد لأن ننظر إلى الإسلام من منظور نقدي دون أن نستثير ردود فعل عصابية تلقي الشبهات ؟؟).
  
عبر التاريخ الإنساني تشكل فريق التنويرين منهم الكندي وأبن رشد، وبن ميمون والاكويني وحتى مارتن لوثر مرورا بطه حسين ومحمد ارا كون  وحامد بوزيد وصادق النيهوم، هذا الطابور المعروف باستخدامه لمنهج النقد والتفكير العلمي الحر والحكمة والبيان والتبيين والفلسفة طالب بإلحاح بوقف استعمال الدين -أي دين سماوي- كسلاح على الأرض هدفه  تحقيق منفعة دنيوية خالصة. يقف الدكتور عبد المنعم المحجوب في هذا الطابور المميز الطويل، ملوحا ببيانه شديد اللهجة ضد ما يقتنع به انه خطأ ويجب إصلاحه، مستندا بقوة ومعتمدا بمهارة وحرص على ثقافته الواسعة وخبرته الاكاديمية في مجال البحث، وسيرته الأدبية فهو شاعر له مجموعاته الشعرية المتميزة، وهو ناقد ادبي ومترجم، وباحث أكاديمي درس القران الكريم واللغات وبعد حصوله على ماجستير في الفلسفة، أنجز بحثه في مرحلة الدكتورة عن نظرية الثقافة وفنون التواصل، وقدم للمكتبة عشرات الكتب في عدد من صنوف المعرفة الإنسانية.

كتاب بيان ضد الكهنوت الإسلامي صدرت طبعته الأولى في أكتوبر 2016 عن دار تانيت للنشر والدراسات عدد صفحاته 64 صفحة قسمها المؤلف إلى خمسة عشر مقطعا وبفهرس مقسم أيضا الى خمسة عشر فقرة تقدم فكرة عن مضمون الكتاب، مع هوامش مفسرة مضمونها لا يقل أهمية عن سطور الكتاب الرئيسية.

في بيانه ضد الكهنوت الإسلامي يقترب عبد المنعم المحجوب ليلامس بعض الخطوط الحمر، التي قد يؤدي مجرد التلويح بتفحصها والتأكد من مشروعيتها الى عواقب لا يحمد عقباها، خصوصا وهو يعيش في مجتمع يضع تابوات وسواتر ملغومة ، تضر ولا تتردد في تكفير التنويري أو الليبرالي أو العلماني ، او اليساري لأنه مس التوابث وشكك في أجزاء من موروث تاريخي صرف ، لا علاقة لبعض منه اطلاقا بالدين السماوي ،هذا الموروث الذي يجزم المؤلف أنه نتاج ( مدارس اجتماعية سيطر عليها خطاب عاجز يحيل مصائب الدنيا الى المغفرة في الاخرة ويكافئ الفقراء بجنة الخلد).  

ولم يكتف المؤلف بالاقتراب من هذه الخطوط الحمراء رغم معرفته بعواقب ما يفعل إذ يقرر في المقطع العاشر من الكتاب ان حيثيات الحكم واسبابه لمن يجاهر بالنقد جاهزة وبالمقاس فيقول (... أما الان، وباسم التأصيل والعودة إلى الجذور، فأن التهمة نمطية والجزاء واضح الردة أو الالحاد وإقامة الحد ..!!) ورغم ذلك يمضي  منعم بشدة وشجاعة رافعا المشعل متجاوزا الخوف ليأخذه منهجه الصارم في الكتاب الى ممارسة حقه المعرفي الكامل في التشكيك في عدم مشروعية ولاجدوى أن يتم استخدام نصوص القران الكريم لتكون الأساس الذي لاقبله ولابعده كمعرف بهذا الدين السماوي خاتم الرسالات السماوية لمن يؤمن بتعاليمه  فيرى المؤلف في مقطع الكتاب الأخير أن ( جريرة إسقاط الرموز القرآنية على حقول أخرى غير الحقل الديني نفسه من شأنها أن تؤدي إلى تسويغ الهلاوس السياسية والاجتماعية واستخدام الايات -القرانية – لتبرير ظواهر شاده تبيح العنف والقمع).
  
وتأسيسا على المسلمة البديهية القائلة باستحالة فهم ما يحدث في الحاضر دون الرجوع للماضي وظف عبد المنعم المحجوب المنهج التاريخي في هذا الكتاب مستعرضا في كثير من  سطوره بعض ملامح عصر الإسلام الاول والوسيط مرورا بالحديث والمعاصر ليكشف بحيادية أن بعض الموروث في الإسلام هو  نتاج معقد لتراكمات تغولت مع مرور الزمن واضفى من عنده مصلحة في عدم نقدها لتكون سلاحه ومطرقته التي يدق بها رقاب من يستخدم النقد منهجه  في تمحيص وتفصيص النص الديني .

وتشبت المحجوب في كتابه بالنقد الموضوعي لتفحص هذا الموروث ، ولذلك تعمد أن يكشف في بيانه أكثر من مرة على أهمية المنهج النقدى ووجوب الاستناد على قواعده  فيقول ( عندما نخضع الأفكار المستمدة من الدين للنقد والتفكير فأننا نخلصها من سياجها ، ولن يستمر الدين مالم يكن مجرداً من الزوائد التي أضيفت له على مر القرون).

لذلك فلا شئ عند منعم محجوب ( يمكنه أن يتحصن ضد النقد أو يكون بمعزل عن التحليل ) بل يذهب إلى أبعد من ذلك مبينا في بيانه ضد الكهنوت أن (الاجدر أن تكون العلة الأولى  وفكرة الله هما أول شريحتين توضعان تحت هذا المجهر).
  
 الكتاب شن هجوما شديداً على علماء الدين ورثة الأنبياء الذي وصفهم بأنهم فئة من العصابيين الذين لا يعون شيئا خارج اجترار القران والاحاديث ومع ذلك يطلقون على انفسهم اسم العلماء ويعرفون بهذا الاسم بين العامة الذين تملأ الهيبة قلوبهم فيكادون يسجدون تقديساً لهذه الالهة الزائفة).

وأحسب أن شي من التعميم قد وقع فيه مؤلف الكتاب ،وبالغ كثيرا في إضفاء صفة الالوهية الزائفة من جانب من يحترم الفقهاء وعلماء الدين على حد سواء وغفل عن حاجة المسلم بشكل مخصوص للفقيه والعالم في مجال الدين الإسلامي وما يشمله من عقائد وعبادات ومعاملات ، دون الحاجة لتقديسه والمبالغة في تقديره ، وأنه حتى في عهد الخلفاء الراشدين  تمت الاستعانة بالقاضي والفقيه وحضوا بتكريم ،لكنه  في حدود وغير مبالغ فيه.

من  جانب أخر فالمبالغة في تكريم البشر يكاد يكون طبيعة إنسانية فنرى التوسل والمبالغة في الحفاوة والتقدير والاعجاب بالحاكم وشيخ القبيلة وحتى بالمغني وبلاعب الكرة ناهيك عن تبجيل امام المسجد والمعلم والفقيه وحتى المفتي مع اتفاقي الكامل مع المؤلف بخطورة أن لايتم حشر المصالح الدنيوية السياسية او الاجتماعية ليكتسي هذا الفعل خوفا من امير الجماعة الذي تحول  لشيخ وعالم ومفتي وصاحب سلطة ونفوذ اكتسبهما بقوة سلاح او بغيرها وحافظ على استمرارهما بتنصيب نفسه نائبا على الله في الأرض يحلل ويحرم بحسب مصلحته ومصلحة من يحميه ، وربما غفل المؤلف أيضا الى ان هذا الفقيه في الإسلام ليس شرطا ان يكون بابا وكاهن فباب التبحر في فقه الدين الإسلامي والوصول لأمام او مفتي او فقي او عالم تفسير على عكس المسيحية وباقي الأديان التي تضع شروط لتولي هذا المنصب ان صحت هذه التسمية ، بل تشجع تعاليم الإسلام على التبحر في العلم الديني والدنيوي على نفس النسق وبدون احتكار من احد.

 في المقطع الثالث عشر يشن المحجوب هجوما اقل حدة على ما يعرف بالإعجاز العلمي في القران ويفنده ويرى انه (نوع من الكوميديا السوداء التي تدفع بك الى الضحك وانت على وشك البكاء ) مستشهدا بما قاله محمد اركون من ان القران الكريم ليس كتابا في الفيزياء ولا في الكيمياء ولا في الاقتصاد ولا الاجتماع ولا السياسة.
 
قرات الكتاب مرتين ونصف وبعض مفرداته عسيرة الفهم على القاري العادي ، وبذا يمكن الجزم بان المحجوب وجه بيانه للصفوة (الانتيلجينسيا) المثقفة بل الغزيرة الثقافة فمن يضمن لقاري عادي مثلي ان يفهم ويعرف (نظام الأكليروس، الميثودولوجيا التاريخانية، التحقيب الكلاسيكي،التراث الديماغوجي العصبوي،العائق الابستمولوجي ، التوجيه الثيولوجي والايحاء السيكوباثي، الايثيكيا الفقهية، الايمان الغنوصي...) وغيرها من المفردات.

وأخيراً يبقى كتاب بيان ضد الكهنوت الإسلامي كتاب قيم جدير بالقراءة المتمعنة الفاحصة أضاف للمكتبة وللمعرفة الإنسانية جديد، بل هو نوافد مشرعة وتأسيسية أحكم بناءها مفكر يحترم ما يكتب فحجز هذا الكتاب مكانه ليكون محور اهتمام الباحثين وبصيص من ضوء يصلح جدا ليكون بداية لدراسات سوسيولوجية معمقة في هذا المجال الذي يكتنفه الغموض وتسكنه العتمة فحاز صديقي منعم المحجوب قصب السبق الليبي ليشعل شمعته ويداري عليها من الانواء في هذا الوقت العصيب .



الخميس، 16 نوفمبر، 2017

(سبعطاش) فبراير ليست ثورة..!!!



مفردة (الثَّوْرَة) لغويا حسب ما وردت في معجم المعاني الجامع هي تغيير أساسي في الأوضاع السياسية والاجتماعية يقوم به الشعب في دولةٍ مَّا. والثورة عندي أن تتغير الحال من الأسوأ الى الاحسن، بالعمل المستمر لتحقيق حاضر ومستقبل أفضل، فالثورة الزراعية لا يمكن أن نسميها كذلك إذا لم يستغنى الفلاح بسببها عن المنجل والمحراث فتوفر له البديل الأفضل، وينطبق هذا على الصناعة والتقنية والطب وغيرها من المجالات.
وأي فعل تقوم به الجموع، رغبة منها في تغيير الحال إلى حال أفضل منه، ليس بالضرورة أن تسمي هذا الفعل وتمنحه بحماسة وعاطفة وانفعال (ثورة)، وبعدها تتشبت نفس الجموع بهذه الثورة وتتفق على انها كذلك، رغم أنها ليست كذلك، ولا تحمل من فعل وشروط الثورة الا الاسم وهو مالا يكفي بطبيعة الحال، والا فتسميات صالح وأمين وصادق تكفي صالح وأمين وصادق، ليكونوا كما تسموا وان لم يكونوا كذلك.
لتكون الثورة ثورة كاملة، لابد لها من زعيم حقيقي يقودها وأشدد على (حقيقي) فتاريخ المنطقة لحافته بالزعماء والثوار الذين فصلوا الثورة على مقاساتهم (بالمليمتر) من النميري للخميني لناصر لمعمر القذافي لذلك فمفردة (حقيقي) مهمة في هذا السياق لان الزعيم الحقيقي مطلوب منه أن يتبنى فكر يحمل مضامين اجتماعية وسياسية واقتصادية تخدم هذه الجموع المتعطشة للهتاف للثورة.
أحسب أن ماحدث عندنا في ليبيا لم يتجاوز انتفاضة شعبية حقيقية خرجت فيها الجموع الليبية مطالبة بتحسين الأوضاع القائمة، ولظروف معقدة جداً تعسكرت الانتفاضة الشعبية وحملت السلاح، وتحولت (سبعطاش) فبراير لثورة مسلحة، وكان الاجدى ان تتحول أيضا لثورات علمية واقتصادية وزراعية وصناعية ومعمارية وصحية واسكانية وتكنولوجية وإنسانية، لكن فبراير لللاسف تمسكت بالسلاح واحتكمت فقط اليه تأكل منه، وتشرب به، وتنام على أنغامه، وهو يعزف سيمفونيات الموت، ولأنها بقت مسلحة فهي اذن ليست ثورة .. نعم هي ليست ثورة بناء على ماسبق ...!!!

الأحد، 12 نوفمبر، 2017

بعض حالات القلق النفسي في الشعر الليبي




قبل البداية لابد من التأكيد على أن هذه القراءة ليست دراسة أكاديمية، ولا متخصصة، ولاتزيد عن كونها مقالة صحفية فقط، وانطباعات من قاري مهتم بالشعر بشكل عام والشعر الليبي بشكل أخص. كما لابد من الإشارة الى ان هذه القراءة المتواضعة لم تحط بالشعر الليبي كله فهذا أكبر من همة الكاتب، وأكبر من قدراته وإمكانياته، هي دراسة موجزة، ومحاولة جادة لتقديم صورة ولو مبسطة عن بعض حالات القلق النفسي  في نصوص بعض الشعراء الليبين تقدمه بعيداً عن اسقاطاته ودونما الكشف في خفايا هذه النصوص برمتها، كما لاتسع لفك رموزها ولا تغوص في شقها الإبداعي وإشارات اللغوية، ودلالاتها، وصورها الفنية هي محاولة لاتتعدى استعراض بعض النصوص وعرضها هنا بما تسمح به المساحة المخصصة في فضاءات.

كلما تأزم واقع الليبي وأختلف عما كان عليه، ومس هذا الاخىلاف حياته اليومية من مختلف الجوانب والابعاد، نجد الشاعر الليبي يتصدى لهذا التغير ويعبر بوضوح عن حالة القلق التي تعتريه، وتؤدي لتغيير شخصيته بنسب متفاوته، واشكال وأنواع مختلفة تتفق كلها تقريباً في أن حالة هذا القلق سببها عدم توافقه مع حاضره أو خوفه من المستقبل المجهول. وفي هذا المجال سنبسط البحث بما امكن عن ظاهرة القلق النفسي وأثره الفني في الشعر الليبي ، وكيف عبربعض فرسان الشعر الليبي عن حالة عدم التوافق مع النفس وعدم الأستقراره والخوف الدائم من المجهول، وأثر وتأثير هذا كله في جماليات النص الشعري الليبي المتميز.
والشاعر في ليبيا كما في أي مكان إنسان يختلف في تعاطيه مع الواقع بحلوه ومره ويؤرخ له بشكل ابداعي جميل، يوثق للحالة التي يعيشها وسط الناس، ويقدمها لهم في ديوان او قصيدة من ديوان او بيت يتيم من الشعر، فتبقى كلماته من بعده شاهدة على العصر الذي عاش فيه وتعايش معه.
حالة القلق وجدتها في نص جميل جداً للشاعر الليبي جيلاني طريبشان ، عبر فيها بشكل صريح ومباشرعن درجة من درجات القلق الغيرصحي والذي تحول عند الشاعر الى خوف دائم من كل شي تقريبا من الليل والمرأة والأشجار والناس أيضا فيقول :
أخاف أخاف
أخاف الليل إذا ما جن
وأخاف المرأة
والأشجار المصلوبة في الشارع
وأخاف الناس...
هذا القلق الذي نقله الينا طريبشان يسمى في علم النفس بالقلق العصابي وهو الذي يشعر فيه الفرد بالخوف الدائم حتى من المواقف الغير المخيفة ويعبر بشكل واضح ويعكس هذا الخوف الذي يري (سيمجوند فرويد) ان مرده وأحد أسبابه هو الكبت الشديد الممارس على الفرد من عوامل خارجية لاتنبع من ذات الانسان وداخليته.                                                                                                                        
الشاعر فرج العربي ينحى منحى مختلف عن صديقه الجيلاني فنجده يسامر القلق في قصيدته القبر فيقدم توصيفا له يراه فرج بعينه ويعيشه ويتعايش معه حتى يخيل  للقاري ان فرج العربي والقلق صديقان لايستغنى احدهما عن الاخر  حين يقول:
لا نداري القلق
ننهرهُ أحيانا
نستقبلُهُ ضيفا يزورنا وما عدنا نعلن عنه
يدخلُ المطبخَ والغرف بدون استئذان
نجده ماثلا مع زوارنا
وما عدنا نستغنى عنه...
وبشكل جميل أعجبني يخاطب الشاعر محمد القذافي في قصيدته فيروزيات ماطرة القلق ويعدد محددا مظاهره ونتائجه عنده على النحو التالي:
يا قلقي حين يزهر
سهدا وقلة حيلة .
يترنح السؤال طيلة
عاصفة بين قلب ووسيلة...
فيما يواجه الشاعر عمر الكدي حالات الكأبة والقلق بشكل مختلف وذلك في مقطع من مقاطع  قصيدة منفى الطويلة ذات الثمانمائة وعشرين سطر،هذه القصيدة  التي عبر فيها الكدي في كثير من مقاطعها عن واقع ومعاناة وآلام وقسوة الغربة ونقل فيها ما يعانيه كشاعر يعيش في قلق البعد عن وطنه ليبيا التي كان يحلم بالعودة اليها وهو يعيش في المنفى بهولندا، فقال في أحدى مقاطع قصيدته منفى :
وفي قلبي يهطل الرماد
سأروضك أيتها الكآبة بعزمي وصبري
وسأجعلك رفيقتي الوحيدة
تنهض كل يوم من الرماد
لتخطو إلى يوم جديد
تتعلم كيف تكسب الأصدقاء
وتعود مثلما كنت دائما....
القلق النَّفسي المتواتر بسبب ما يعج به  الواقع الليبي من فوضى لامتناهية عرض له الشاعر عبد المنعم المحجوب في مفتتح قصائد الحرب وفي نهايتها مستمداً طاقته الإبداعية من وعيه بمأسوية الواقع، فعكست نصوص هذه القصيدة حالة قلق يبدو انها كانت تلازم المحجوب وانعكست على وضعه الشخصي وتجربته الشعرية شكلاً ومضموناً فيصفها في اول مقطع بشعرية قلقة مذهلة  بقوله:
من كآبة فبراير
صنعتُ ورقَ بيافرا شفافاً
ألفّ به هذه الترويكا....
هكذا اورد الشاعر بذكاء وبساطة وتقريرية صريحة الباعث الخارجي (الموضوعي) لحالة القلق التي تنتابه بسبب ما الت اليه البلاد الليبية من خراب وعدم استقرار بعد فبراير، ثم ختم قصائد الحرب بوصف أخاد يعكس حالته النفسية وشدة قلقه وتشتت انتباهه وتركيزه ويطرح استفهامات لا شعورية نتيجة للحالة التي يعيشها المحجوب بسبب ما يمرُّ به من أوضاع يبدو انه لم يعد في أمكانه تحملها وواقع مرير يعرضه في قصيدته التي ذيلها بأستفهام (هل) و(أم) دون إجابة لكن تركها لتستحق التوقف عندها حين يقول :
صرت أحلم أنني بلا رأس
أمشي هكذا دون أن أعرف ما هو الوقت أو أين أنا
هل يجب أن أستيقظ الآن أم عليّ أن أمشي وأمشي....
 الشاعر الليبي على الفزاني أيضا أورد في مختتم قصيدته مدينة الخلايا الميتة ،وبشكل مباشر وصفا لحالات نفسية متضاربة تبين مدى قلقه على وطنه ليبيا فقال:
في مدينة منهارة من الداخل
يتجول العقم – والمجانية
والبشاعة
آه على وطني....
المفردات في المقطع السابق على نحو (بشاعة) أو (منهارة) توضح مدى شعور الفزاني بالتحسر والقلق وعدم الرضا، أما مفردة (أه) فتعكس بشكل مؤثر للغاية مايعانيه الشاعر من ضيق ومعاناة شديدة وقلق أشد وحزن دائم على وطنه.
وحول ملازمة حالة القلق الدائم لنفس الشاعر يصفها بشكل مختلف الشاعر محمد زيدان في قصيدته  كفٌ مجروحةٌ لصديقتي القصيدة، التي يقول في أحد مقاطعها :
أبكي إن غاب البكاء
وإن لم أقلق ،
أقلق !....
نلاحظ من المقطع السابق أن حالة القلق التي يعيشها زيدان ملازمة وبشكل كامل ومستمر لحالة البكاء،وفي هذا تصوير لحجم وفداحة حالة القلق التي تعتري الشاعر والتي تحل دائما بديلاً عن البكاء الذى هو والقلق عنده صنوان وصراع تناقضي في اتجاه واحد بين البكاء والقلق.
الشاعرة سميرة البوزيدي تتفق مع محمد زيدان في عرض استمرارية القلق والهم النفسي وكيف تجعل منهما سلاحا معنويا تواجه به أسلحة حقيقية ،موضحة مايمكن فعله في زمن التغير الذي طرأ بسبب الحرب الاهلية في ليبيا فتقول :
كل ما نستطيعه هو القلق والخوف
ننظر بشجاعة في عيون بعضنا
نلوذ بالبيوت
نرقب الميم طاء المفزعة
ونقلق باستمرار....
 من جانب أخر سلك  الشاعر مراد الجليدي في قصيدته تضاد طريقا مختلفا قليلاً وهو يعبر عن حالة من القلق تنتابه فقال في قصيدته تضاد :
لم أكن في غياهب
اللحظة
كنت
في قفص الوهم
أرسم
مخيلة لوردة
النسيان
نهرا....
والواضح ان الجليدي صورمن خلال المقطوعة السابقة التضاد والتشابك بين وحالة من التناقص، فرسم صورة قلقة غريبة ، أسبغ عليها لمساته الفنية، فأصبحت لوحة قلقة، تحمل دلالات  تنافر تجمع بين الاضداد، (اللحظة والنسيان، قفص الوهم ومخيلة الوردة والنهر)، ورغم ذلك أبدع الشاعر في رسم لوحة على قدر كبير من المهابة والجمال عكست مايعتري الشاعر من قلق .
وختاما يتضح انه رغم ان حالات القلق النفسي تسبب بشكل أو بأخر لدرجات متفاوته من عدم الرضا عند الانسان الليبي بشكل عام وللشاعر الليبي بشكل خاص لكنه ورغم سماجته ومايخلفه هذا القلق من مظاهر سلبية تعود بالسلب على الانسان الشاعر لكنها بشكل أو بأخر  تتحول هذه الحالات عند الشعراء الليبيين لمصدراً هاماً للإبداع الشعري،وحافزاً قوياً للإلهام لديهم،وأن لم يتسع المجال والمساحة المخصصة لإستعراض إبداع كثير من شعراء وشاعرات ليبيا،ولكنها كانت فكرة ارتأيت من خلالها أن أحفز غيري،ممن لديهم القدرة والأمكانيات أن يتناولوا هذا الموضوع بشكل أكثر تفصيلاً، خاصة وأن اقلق بحالاته المختلفة والمتعددة  مادة متاحة وخصبة  تتجلى بشكل بارز وواضح في العديد من النصوص الشعرية التي  قدمها شعراء يعيشيون القلق كل لحظة بل ويتنفسونه بسبب مايحدث في بلادنا ليبيا الان.

الثلاثاء، 5 سبتمبر، 2017

دار الفقيه حسن شعاع نور يحمل الأمل



المثقف الليبي له دائما دوراً مهما وفاعلاً في صنع التغيير ومواكبته، وتبصير الناس بحقوقهم، وواجباتهم، وتوعيتهم بما يلائم ظروف معيشتهم فيسهم ويشارك بإيجابية في حل مشاكلهم وهمومهم، وعلى مر السنوات السابقة عرف المواطن الليبي مؤسسات ثقافية مهمة ، تزخر بإبداعات ونشاطات شخصيات ليبية مثقفة ومهمة، تشرف بشكل دوري على أقامه مختلف المناشط والمهرجانات الثقافية التي تفاعل معها المواطن الليبي، وتابع نشاطها بكل استبشار وتفاؤل ،وشارك فيها بالحضور الشخصي أو بالمتابعة عبر وسائل الاعلام المختلفة ، وكانت هذه العلاقة بين المثقف الليبي وبين المواطن في أحسن حالاتها، مما جعل نشاط هذه المؤسسات في تزايد حتى كبرت و( بانت) بشكل واضح وكاف لتشكل مصدر قلق دائم للسلطة والحاكم ، الحاكم الذي لم يتوقف عن أصراره لوضع يده عليها بشكل متسلط ومقلق ،وضيق على مؤسسيها وروادها الدائمين الخناق ، فأوقف نشاط بعض منها كما حصل في جمعية بيت درنة الثقافي ، وأغلق أبوابها، وهاجم عبر وسائل الاعلام الرسمية بعض مؤسسيها والناشطين فيها ، كما وضع العراقيل والصعوبات أمام من كان يسعى لتأسيس أو تفعيل دور نقابة الصحفيين، وتطور الامر الى قيام السلطات الحكومية السابقة الى هدم مبنى رابطة الادباء والكتاب والفنانين .
 
بعد فبراير 2011م ، لم يختلف الامر كثيراً عما كان عليه قبله ،باستثناء ما يمكن تسميته بطفرة الشهور الأولى أو السنوات القليلة الأولى التي شهدت نشاطات مكثفة سواء على صعيد الاعلام المقروء والمسموع و المرئي ،أو على مستوى تفاعل المواطن بنشاطات مؤسسات المجتمع المدني في جانبها الثقافي، ولكنها خبت واختفى نشاطها بشكل كلي تقريبا فقل عدد الصحف وربما اختفى ،بعد أن وصل عددها في بداية الشهور الأولى للثورة لرقم كبير، وبأستثناء القنوات الفضائية الخاصة تقريبا ،تراجعت أو ربما أختفت معالم المؤسسات الثقافية التي تعكس العلاقة الخاصة بين المثقف الليبي الأصيل الذي لا يتوقف عن التخطيط لإقامة ندوة وإدارتها ، والذي يعلن عن موعد أمسية شعرية ، أو محاضرة ثقافية يقدمها أسم مهم من الأسماء الليبية التي لاتتاخر عن تقديم وجبة دسمة من المعرفة لهذا المواطن الذي انهكته اخبار الخطف والسرقة والتهجير والقتل .

مؤخرا ومثل أي مواطن الليبي بدأت أشعر بنتاج طيب، وإنجاز يذكر فيشكر، لبعض من جهود أحسبها فردية، ومجهودات أضنها ذاتية لجنود مجهولين لكني أعرف أسمائهم الرنانة جيداً ، قرروا المضي قدما لحمل مشعل الثقافة ،والحفاظ عليه لينير بالقدر الذي يمكنه من فعل ذلك ، وبقدر ما يملكون من أمكانيات ، أبصرت عبر صفحات الفيسبوك بصيص من نور مصدره هذا المشعل ، الذي يزداد وهجه يوما بعد يوم ، ففي مساء أول ثلاثاء من كل شهر تقيم دار الفقيه حسن منشطا مهما تستضيف فيه محاضرا ، ويلتقى عددا مهما وفاعلا من المثقفين الليبي تحت سقف هذه الدار التي تحولت مع مرور الشهور لمركز اشعاع وتواصل ،ينتظر فيه المواطن الليبي موعدا هاما، لمنشط سيعقد في دار الفقيه حسن ، قد يكون ندوة أو أمسية شعرية،أو محاضرة أو معرض فن ،ففي اول ثلاثاء من شهر مايو الماضي الاستاذ حسين المزداوي القى محاضرة عن الشاعر محمد الفيتوري ،وبعدها في شهر يونيو الماضي،القى الأستاذ المختار ديرة محاضرة عن الاخبار المنسية في المقاهي الطرابلسية في الدار . في قاعة عبد المنعم بن ناجي في دار الفقيه حسن ، وفي أول ثلاثاء من شهر أغسطس الماضي الكاتب الأستاذ إبراهيم حميدان القى محاضرة عن الدكتور علي فهمي خشيم ككاتب ومثقفا فاعلا . 

وفي أكتوبر الماضي محاضرة أخرى ألقاها المستشار عزام الديب عنوانها مواقف للقضاء الليبي ، ومؤخرا في نوفمبر القى أستاذ التاريخ الدكتور محمد بوصوه محاضرة عن تاريخ ليبيا . 

تحية لكل من يساهم في أثراء الحركة الثقافية في بلادنا في هذا الوقت العصيب وتحية صادقة ومشجعة لأهل دار الفقيه حسن للفنون التي تحولت لمكان ينشر الدفء والنور. هذه الدار التي اترقب نشاطها وانا بعيد عنها ولكن ما ينجزه أهلها اشعر دائما انني قريب منها بل واسكن فيها أيضا ..

الثلاثاء، 1 أغسطس، 2017

دستور البلاد


في أواخر 1949م أصدرت الجمعيّة العامة للأمم المتحدة قرارا مهماً. أهم ماورد فيه أن ليبيا دولة مستقلّة ذات سيادة، وعلى الليبيين أن يضعوا دستوراً لبلادهم يتضمّن شكل الحكومة التي يريدونها، وستساعدهم الأمم المتحدة بكل السبل لتحقيق ذلك.
بموجب هذا القرار، تولت جمعية الستين تشكيل لجنة مهمتها صياغة دستور للبلاد في أسرع وقت ممكن، طلبت اللجنة المشكلة من الأمم المتحدة تزويدها بدساتير بعض الدول الفدراليّة في العالم، واطلع كل أعضائها على دساتير 13 دولة فيدرالية. وتقول المصادر إن هؤلاء الرجال كان همهم البلاد ومصلحتها، فثابروا وتحمّلوا المسؤوليّات بجديّة وحكمة ورجاحة عقل، وإنهم كانوا يراجعون في بيوتهم ما أنجزوه أثناء دوامهم.
ورغم أن الأجواء كانت آنذاك مشحونة بالصراعات والجدل والمظاهرات، أتيح لكل الليبيين مناقشة مواد دستورهم بشكل علني ومفتوح، فغصت قاعات الاجتماعات بالمناقشين. وفي شهور قليلة، قدم الرجال الستون دستورا (ليه القيمة) فاتفق عليه الليبيون، وصار مرجعاً لبعض دساتير الدول التي استقلت بعدهم. وتاكيداً على أهمية هذا الدستور، أخرجه القذافي من تحت (عباءته) الحمراء ،وهو الذي عطله ليحاججهم بمواده يوم خرجوا عليه!
وفي بداية 2014، أعاد التاريخ نفسه بشكل مختلف قليلا، حيت باشرت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور مهمتها في صياغة مشروع الدستور الدائم للبلاد، على أن تنتهي منه خلال مدة لا تزيد عن أربعة أشهر.
مضى أكثر من عام كامل الآن، ولم تنجز الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور شيئا يذكر فتشكر عليه. هذه الهيئة فشلت فشلا ذريعا وربما بشكل متعمد، في ربط جسر من الثقة والتواصل بينها وبين المواطن الليبي، ولم تستثمر وسائل الإعلام بالشكل المطلوب، في عملية التواصل والتوعية مستفيدة من حكمة المثل الليبي الشائع (الباب اللي يجي منه الريح، سده واستريح ) وطبقته بشكل ممتاز، ورغم ذلك تسربت روائح من نوافذ البرلمان لتؤكد من داخله عن سوء إدارة لرئاسة الهيئة، وطرحت مسائل تتعلق بالشفافية وعدم تمكن الرئيس من تفعيل اللائحة بالكامل، وتغاضيه عن غياب بعض الأعضاء المتكرر وعدم حضورهم  الجلسات وإهدارهم  للوقت  وغيرها، مما جعل الهيئة تسرع في لململة ما تستطيع، فتكتفي بعرض مسودات بشكل خجول وهزيل، على موقع الهيئة المتواضع، تستجدي المواطن الليبي الذي يجد صعوبة في الحصول على (الضي والغاز والخبز ) في أن يسجل إعجابه على صفحتها في الفيس بوك ويغرد معها على تويتر، فخاب ظن الليبيين في كتابة الدستور كنتيجة معروفة مسبقا لجهودهم الفقيرة التي بذلوها، مقابل مرتبات ومكافات ومزايا مالية ضخمة وكافية لحثهم على مزيد من التمدد والاسترخاء في أروقة برلمان وفنادق مدينة البيضاء، بل وفي مغادرتها للنقاهة والسياحة والعلاج، متجاهلين الإجابة عن سؤال الليبيين المهم: متى ستنتهون من كتابة الدستور؟
امتنع كثير من أعضاء الهيئة عن الإجابة، ليكشفوا عن فشلهم وعجزهم في ما تصدى كبيرهم الذي علمهم الكسل، للإجابة على سؤال آخر غير مهم  طرحه صحفي أمريكي، يقول البرفسور بابتسامة كشفت بياض أسنانه اللامعة: سأبقى دائماً مواطناً امريكياً وسأعود إلى المكان الذي تربى فيه أبنائي.. أنا مهتم بأمريكا لأنها وطني.. وإن ذهبت إلى ليبيا، فإنني سوف أعود إلى وطني في سياتل بواشنطن!

الخميس، 22 يونيو، 2017

عاجل..تاورغاء



تلقيت قبل قليل اتصال عاجل من الاستاذ محمد رضوان رئيس رابطة المعتقلين والمفقودين بتاورغاء ، ابلغني بكل مرارة و أسف ، انه وعلى تمام الساعة الثانية عشر ظهراً تم منع اهالي تاورغاء من الدخول لمدينتهم والعودة لمنازلهم بعد ان كانت مقررة اليوم .
وافاد رضوان ان اكثر من خمسة واربعين سياره بها اكثر من 120 شخص ، منعوا اليوم من المرور من بوابة مصرات الشرقية  بوابة الكراريم ،وذلك بعد ان تم منعهم من قبل افراد يقفون بالياتهم المنتشرة في محيط البوابة ، حيت طلبوا من اهالي  
تاورغاء العودة منحيث أتوا رغم الاتفاق المسبق والترحب بعودتهم ، وبين رضوان ان  الافراد الذين منعوا اهالي تاورغاء من الرجوع لبيوتهم ظهر اليوم تلقوا تعليماتهم من يوسف الزعزاع..!!! 

الأحد، 18 يونيو، 2017

المثقف والسلطة


في عام 1994م نشر المفكر الفلسطيني إدوارد سعيدكتابه المهم باللغة الإنجليزية عن المثقف والسلطة، وعنوانه (Representations of the Intellectual)وفي عام 2006م ترجم الدكتورمحمد عباني، كتاب أدوارد للغة العربية تحت عنوان المثقَّف والسلطة، ونوه المترجم في مقدمة الكتاب إلى أنه اختار هذا العنوان بدلاً من الاعتماد على الترجمة الحرفية للنسخة الاصلية بالانجليزية لأن نقل كلمة representation)) للعربية يسبِّب له «عنتًا شديدًا» لأن الكلمة ذاتها حمَّالة أوجه و«متشابكة الدلالات» خصوصًا في تنوِّع توظيف المفكر سعيد ادوارد لها في ثنايا الكتاب. وفي جميع الأحوال وتحث أي عنوان حظى الكتاب وقت نشره مترجما للعربية ولايزال كعادة معظم كتب أدوارد بنصيب وافراً من الاهتمام والتدوال والدراسة والنقد.
ففي مائتين وثمانية صفحة، موزعة على ستة فصول قدم أدوارد دراسة قيمة جداً، عن العلاقة الشائكة المعقدة بين المثقف الانسان والسلطة بأشكالها المتعددة والمتنوعة من سلطة الدولة و سلطة المجتمع إلى سلطة الأيديولوجيا و المال و النفوذ..متطرقا بشكل موسع لتعريف المثقف،وتعريف المفكر محدداً مهام كل منهما،ليخلص في أحد فصول الكتاب للقول، بأن الانسان المثقف يجدر به أن يمتلك وعياً مختلفاً عن الاخرين، وعياً نقدياً -بحسب ادوارد- يمكن بواسطته أن يكون المثقف قادراً على تفسير الواقع وتحليله أيضا.كما يميز أدوارد في كتابه بين نوعين من المثقفين فيشير لوجود مثقف تقليدي يؤدي عمله بشكل روتيني وغالباً مايكون هذا العمل متكرراً وبنفس النمط والمضمون وعلى مدى سنوات طويلة، ويعطى مثالاً لذلك على مايقدمة المعلم أوالكاهن.أما المثقف المنسق فهو المرتبط بشكل مباشر بالطبقات او المشروعات التي تسعى لتحقيق وتنظيم مصالحها، والتي في الغالب أيضا تسعى لاكتساب المزيد من السلطات، وحتى المزيد من اعمال الرقابة، والمثقف المتسق هو الذي يشارك بإيجابية في النشاطات الاجتماعية ويناضل في سبيل تغيير الأفكار وتطويرالمؤسسات بشكل عام.
وفي سياق أخر فالمثقف الحقيقي عند ادوارد سعيد كما وصفه في هذا الكتاب هو «من لديه افكار يعبرعنها لغيره وعليه ان يستمسك بقيم الحرية والعدالة،ولايقبل بالحلول الوسط، كما يجب كما عليه التحدث باسم العامة في معارضة جميع اشكال السلطة منطلقاً مما يؤمن به من قيم ومبادئ انسانية عامة ومؤكداً ان ينهض المثقف بدور الهاوي وليس المحترف».
فصول كتاب أدوارد الستة تكمل بعضها البعض، وتعطى للقاري بوضوح وجهة نظرهذا المفكر حول قضية متشابكة خاض فيها قبله وبعده كثير من الكتاب والمفكرين، قضية علاقة المثقفون بالسلطة،ودورهم المناط بهم في هذا السياق،فأستعرض في الكتاب صور تمثيل المثقَّف، وحددهما بتعريفين مختلفين مستشهداً براي انطونيو غرامشي من «إن جميع الناس مفكرون، لكن وظيفة المثقف أو المفكِّر في المجتمع لا يقوم بها كلُّ الناس». كما ركز أدوارد في هذا الفصل على أن المثقف ليس مجرد مهنة يمارسها شخص محدد، ينظرإلى عمله، باعتباره «شيئًا يؤديه لكسب الرِّزق، ما بين التَّاسعة صباحًا والخامسة مساءً، وعينه على السَّاعة، والعين الأخرى مصوبة نحو ما يُعتبره السُّلوك المهني الصَّحيح؛ أي عدم قلقلة المركب، وعدم الانفلات خارج النَّماذج أو الحدود المقبولة، وأن يجعل نفسه قابلًا للتَّسويق، وقبل كل شيء، لائق المظهر، ومن ثمَّ، يصبح لا خلاف عليه، ويصبح غير سياسيِّ؛ بل يصبح موضوعيًّا».. لكن المثقف عند ادوارد سعيد شخص «يتمتَّع بموهبة خاصة» يمكن من خلال هذه الموهبة نقل رسالة ما أو وجهة نظر، أو فلسفة معينةأو تبني موقف معين.
كما لخص ادوارد سعيد الاختلاف بين الثقافات والمثقفين مبيناً أن «كلُّ مثقَّف يعكس واقعًا معينًا لبلد معين لتاريخ معين لأحداث معينة لفشل أو لانتصار معيَّنين». يبدو في العالم العربي خصوصًا أنَّ دور المثقَّف هامشيٌّ، لأنَّ السلطة هي سلطة المجتمع والسياسة وسلطة رجال الدين هي السائدة، وعبِّر ادوارد سعيد في كتابه عن منفى المثقَّفين مبيناً أنه يمكن تقسيم المثقفين إلى منتمين وغير منتمين. فالمنتمون لمجتمعاتهم ويتكيَّفون في واقعها القائم والذين تزدهر أحوالهم فيها دون الإحساس بالاختلاف والمغايرة وهم أولئك الذين هم من ناصية «نعم» أما الذين هم في شقاق مع واقع مجتمعاتهم والذين هم من ناصية «لا» والمنفيُّون من مزايا السلطة ومظاهر التكريم،موضحا «إنَّ المغترب الذي يدفعه إحساس المنفى لا يستجيب إلى منطق ما هو تقليدي عرفي بل إلى شجاعة التجاسر، وإلى تمثيل التغيير، والتقدُّم إلى الأمام لا الثبات دون حركة».
ومع ان المفكر ادوارد سعيد تناول بشكل موسع ومستفيض علاقة المثقف بالسلطة منذ اكثر من عقدين من الزمان، الا انه أكد انه «وعلى مر التاريخ الحديث، فكل الثوراث كان محركها المثقفين» وقد حدد أدوار هؤلاء المثقفين لكنه لم يتنبأ إن صحت المفردة أو لم يحدد مكانة المثفقين في هذه الثوراث، كما لم يحدد طبيعة هذه الثوراث، وماذا قدم لها المثقف؟!