الثلاثاء، 5 سبتمبر، 2017

دار الفقيه حسن شعاع نور يحمل الأمل



المثقف الليبي له دائما دوراً مهما وفاعلاً في صنع التغيير ومواكبته، وتبصير الناس بحقوقهم، وواجباتهم، وتوعيتهم بما يلائم ظروف معيشتهم فيسهم ويشارك بإيجابية في حل مشاكلهم وهمومهم، وعلى مر السنوات السابقة عرف المواطن الليبي مؤسسات ثقافية مهمة ، تزخر بإبداعات ونشاطات شخصيات ليبية مثقفة ومهمة، تشرف بشكل دوري على أقامه مختلف المناشط والمهرجانات الثقافية التي تفاعل معها المواطن الليبي، وتابع نشاطها بكل استبشار وتفاؤل ،وشارك فيها بالحضور الشخصي أو بالمتابعة عبر وسائل الاعلام المختلفة ، وكانت هذه العلاقة بين المثقف الليبي وبين المواطن في أحسن حالاتها، مما جعل نشاط هذه المؤسسات في تزايد حتى كبرت و( بانت) بشكل واضح وكاف لتشكل مصدر قلق دائم للسلطة والحاكم ، الحاكم الذي لم يتوقف عن أصراره لوضع يده عليها بشكل متسلط ومقلق ،وضيق على مؤسسيها وروادها الدائمين الخناق ، فأوقف نشاط بعض منها كما حصل في جمعية بيت درنة الثقافي ، وأغلق أبوابها، وهاجم عبر وسائل الاعلام الرسمية بعض مؤسسيها والناشطين فيها ، كما وضع العراقيل والصعوبات أمام من كان يسعى لتأسيس أو تفعيل دور نقابة الصحفيين، وتطور الامر الى قيام السلطات الحكومية السابقة الى هدم مبنى رابطة الادباء والكتاب والفنانين .
 
بعد فبراير 2011م ، لم يختلف الامر كثيراً عما كان عليه قبله ،باستثناء ما يمكن تسميته بطفرة الشهور الأولى أو السنوات القليلة الأولى التي شهدت نشاطات مكثفة سواء على صعيد الاعلام المقروء والمسموع و المرئي ،أو على مستوى تفاعل المواطن بنشاطات مؤسسات المجتمع المدني في جانبها الثقافي، ولكنها خبت واختفى نشاطها بشكل كلي تقريبا فقل عدد الصحف وربما اختفى ،بعد أن وصل عددها في بداية الشهور الأولى للثورة لرقم كبير، وبأستثناء القنوات الفضائية الخاصة تقريبا ،تراجعت أو ربما أختفت معالم المؤسسات الثقافية التي تعكس العلاقة الخاصة بين المثقف الليبي الأصيل الذي لا يتوقف عن التخطيط لإقامة ندوة وإدارتها ، والذي يعلن عن موعد أمسية شعرية ، أو محاضرة ثقافية يقدمها أسم مهم من الأسماء الليبية التي لاتتاخر عن تقديم وجبة دسمة من المعرفة لهذا المواطن الذي انهكته اخبار الخطف والسرقة والتهجير والقتل .

مؤخرا ومثل أي مواطن الليبي بدأت أشعر بنتاج طيب، وإنجاز يذكر فيشكر، لبعض من جهود أحسبها فردية، ومجهودات أضنها ذاتية لجنود مجهولين لكني أعرف أسمائهم الرنانة جيداً ، قرروا المضي قدما لحمل مشعل الثقافة ،والحفاظ عليه لينير بالقدر الذي يمكنه من فعل ذلك ، وبقدر ما يملكون من أمكانيات ، أبصرت عبر صفحات الفيسبوك بصيص من نور مصدره هذا المشعل ، الذي يزداد وهجه يوما بعد يوم ، ففي مساء أول ثلاثاء من كل شهر تقيم دار الفقيه حسن منشطا مهما تستضيف فيه محاضرا ، ويلتقى عددا مهما وفاعلا من المثقفين الليبي تحت سقف هذه الدار التي تحولت مع مرور الشهور لمركز اشعاع وتواصل ،ينتظر فيه المواطن الليبي موعدا هاما، لمنشط سيعقد في دار الفقيه حسن ، قد يكون ندوة أو أمسية شعرية،أو محاضرة أو معرض فن ،ففي اول ثلاثاء من شهر مايو الماضي الاستاذ حسين المزداوي القى محاضرة عن الشاعر محمد الفيتوري ،وبعدها في شهر يونيو الماضي،القى الأستاذ المختار ديرة محاضرة عن الاخبار المنسية في المقاهي الطرابلسية في الدار . في قاعة عبد المنعم بن ناجي في دار الفقيه حسن ، وفي أول ثلاثاء من شهر أغسطس الماضي الكاتب الأستاذ إبراهيم حميدان القى محاضرة عن الدكتور علي فهمي خشيم ككاتب ومثقفا فاعلا . 

وفي أكتوبر الماضي محاضرة أخرى ألقاها المستشار عزام الديب عنوانها مواقف للقضاء الليبي ، ومؤخرا في نوفمبر القى أستاذ التاريخ الدكتور محمد بوصوه محاضرة عن تاريخ ليبيا . 

تحية لكل من يساهم في أثراء الحركة الثقافية في بلادنا في هذا الوقت العصيب وتحية صادقة ومشجعة لأهل دار الفقيه حسن للفنون التي تحولت لمكان ينشر الدفء والنور. هذه الدار التي اترقب نشاطها وانا بعيد عنها ولكن ما ينجزه أهلها اشعر دائما انني قريب منها بل واسكن فيها أيضا ..

الثلاثاء، 1 أغسطس، 2017

دستور البلاد


في أواخر 1949م أصدرت الجمعيّة العامة للأمم المتحدة قرارا مهماً. أهم ماورد فيه أن ليبيا دولة مستقلّة ذات سيادة، وعلى الليبيين أن يضعوا دستوراً لبلادهم يتضمّن شكل الحكومة التي يريدونها، وستساعدهم الأمم المتحدة بكل السبل لتحقيق ذلك.
بموجب هذا القرار، تولت جمعية الستين تشكيل لجنة مهمتها صياغة دستور للبلاد في أسرع وقت ممكن، طلبت اللجنة المشكلة من الأمم المتحدة تزويدها بدساتير بعض الدول الفدراليّة في العالم، واطلع كل أعضائها على دساتير 13 دولة فيدرالية. وتقول المصادر إن هؤلاء الرجال كان همهم البلاد ومصلحتها، فثابروا وتحمّلوا المسؤوليّات بجديّة وحكمة ورجاحة عقل، وإنهم كانوا يراجعون في بيوتهم ما أنجزوه أثناء دوامهم.
ورغم أن الأجواء كانت آنذاك مشحونة بالصراعات والجدل والمظاهرات، أتيح لكل الليبيين مناقشة مواد دستورهم بشكل علني ومفتوح، فغصت قاعات الاجتماعات بالمناقشين. وفي شهور قليلة، قدم الرجال الستون دستورا (ليه القيمة) فاتفق عليه الليبيون، وصار مرجعاً لبعض دساتير الدول التي استقلت بعدهم. وتاكيداً على أهمية هذا الدستور، أخرجه القذافي من تحت (عباءته) الحمراء ،وهو الذي عطله ليحاججهم بمواده يوم خرجوا عليه!
وفي بداية 2014، أعاد التاريخ نفسه بشكل مختلف قليلا، حيت باشرت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور مهمتها في صياغة مشروع الدستور الدائم للبلاد، على أن تنتهي منه خلال مدة لا تزيد عن أربعة أشهر.
مضى أكثر من عام كامل الآن، ولم تنجز الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور شيئا يذكر فتشكر عليه. هذه الهيئة فشلت فشلا ذريعا وربما بشكل متعمد، في ربط جسر من الثقة والتواصل بينها وبين المواطن الليبي، ولم تستثمر وسائل الإعلام بالشكل المطلوب، في عملية التواصل والتوعية مستفيدة من حكمة المثل الليبي الشائع (الباب اللي يجي منه الريح، سده واستريح ) وطبقته بشكل ممتاز، ورغم ذلك تسربت روائح من نوافذ البرلمان لتؤكد من داخله عن سوء إدارة لرئاسة الهيئة، وطرحت مسائل تتعلق بالشفافية وعدم تمكن الرئيس من تفعيل اللائحة بالكامل، وتغاضيه عن غياب بعض الأعضاء المتكرر وعدم حضورهم  الجلسات وإهدارهم  للوقت  وغيرها، مما جعل الهيئة تسرع في لململة ما تستطيع، فتكتفي بعرض مسودات بشكل خجول وهزيل، على موقع الهيئة المتواضع، تستجدي المواطن الليبي الذي يجد صعوبة في الحصول على (الضي والغاز والخبز ) في أن يسجل إعجابه على صفحتها في الفيس بوك ويغرد معها على تويتر، فخاب ظن الليبيين في كتابة الدستور كنتيجة معروفة مسبقا لجهودهم الفقيرة التي بذلوها، مقابل مرتبات ومكافات ومزايا مالية ضخمة وكافية لحثهم على مزيد من التمدد والاسترخاء في أروقة برلمان وفنادق مدينة البيضاء، بل وفي مغادرتها للنقاهة والسياحة والعلاج، متجاهلين الإجابة عن سؤال الليبيين المهم: متى ستنتهون من كتابة الدستور؟
امتنع كثير من أعضاء الهيئة عن الإجابة، ليكشفوا عن فشلهم وعجزهم في ما تصدى كبيرهم الذي علمهم الكسل، للإجابة على سؤال آخر غير مهم  طرحه صحفي أمريكي، يقول البرفسور بابتسامة كشفت بياض أسنانه اللامعة: سأبقى دائماً مواطناً امريكياً وسأعود إلى المكان الذي تربى فيه أبنائي.. أنا مهتم بأمريكا لأنها وطني.. وإن ذهبت إلى ليبيا، فإنني سوف أعود إلى وطني في سياتل بواشنطن!

الخميس، 22 يونيو، 2017

عاجل..تاورغاء



تلقيت قبل قليل اتصال عاجل من الاستاذ محمد رضوان رئيس رابطة المعتقلين والمفقودين بتاورغاء ، ابلغني بكل مرارة و أسف ، انه وعلى تمام الساعة الثانية عشر ظهراً تم منع اهالي تاورغاء من الدخول لمدينتهم والعودة لمنازلهم بعد ان كانت مقررة اليوم .
وافاد رضوان ان اكثر من خمسة واربعين سياره بها اكثر من 120 شخص ، منعوا اليوم من المرور من بوابة مصرات الشرقية  بوابة الكراريم ،وذلك بعد ان تم منعهم من قبل افراد يقفون بالياتهم المنتشرة في محيط البوابة ، حيت طلبوا من اهالي  
تاورغاء العودة منحيث أتوا رغم الاتفاق المسبق والترحب بعودتهم ، وبين رضوان ان  الافراد الذين منعوا اهالي تاورغاء من الرجوع لبيوتهم ظهر اليوم تلقوا تعليماتهم من يوسف الزعزاع..!!! 

الأحد، 18 يونيو، 2017

المثقف والسلطة


في عام 1994م نشر المفكر الفلسطيني إدوارد سعيدكتابه المهم باللغة الإنجليزية عن المثقف والسلطة، وعنوانه (Representations of the Intellectual)وفي عام 2006م ترجم الدكتورمحمد عباني، كتاب أدوارد للغة العربية تحت عنوان المثقَّف والسلطة، ونوه المترجم في مقدمة الكتاب إلى أنه اختار هذا العنوان بدلاً من الاعتماد على الترجمة الحرفية للنسخة الاصلية بالانجليزية لأن نقل كلمة representation)) للعربية يسبِّب له «عنتًا شديدًا» لأن الكلمة ذاتها حمَّالة أوجه و«متشابكة الدلالات» خصوصًا في تنوِّع توظيف المفكر سعيد ادوارد لها في ثنايا الكتاب. وفي جميع الأحوال وتحث أي عنوان حظى الكتاب وقت نشره مترجما للعربية ولايزال كعادة معظم كتب أدوارد بنصيب وافراً من الاهتمام والتدوال والدراسة والنقد.
ففي مائتين وثمانية صفحة، موزعة على ستة فصول قدم أدوارد دراسة قيمة جداً، عن العلاقة الشائكة المعقدة بين المثقف الانسان والسلطة بأشكالها المتعددة والمتنوعة من سلطة الدولة و سلطة المجتمع إلى سلطة الأيديولوجيا و المال و النفوذ..متطرقا بشكل موسع لتعريف المثقف،وتعريف المفكر محدداً مهام كل منهما،ليخلص في أحد فصول الكتاب للقول، بأن الانسان المثقف يجدر به أن يمتلك وعياً مختلفاً عن الاخرين، وعياً نقدياً -بحسب ادوارد- يمكن بواسطته أن يكون المثقف قادراً على تفسير الواقع وتحليله أيضا.كما يميز أدوارد في كتابه بين نوعين من المثقفين فيشير لوجود مثقف تقليدي يؤدي عمله بشكل روتيني وغالباً مايكون هذا العمل متكرراً وبنفس النمط والمضمون وعلى مدى سنوات طويلة، ويعطى مثالاً لذلك على مايقدمة المعلم أوالكاهن.أما المثقف المنسق فهو المرتبط بشكل مباشر بالطبقات او المشروعات التي تسعى لتحقيق وتنظيم مصالحها، والتي في الغالب أيضا تسعى لاكتساب المزيد من السلطات، وحتى المزيد من اعمال الرقابة، والمثقف المتسق هو الذي يشارك بإيجابية في النشاطات الاجتماعية ويناضل في سبيل تغيير الأفكار وتطويرالمؤسسات بشكل عام.
وفي سياق أخر فالمثقف الحقيقي عند ادوارد سعيد كما وصفه في هذا الكتاب هو «من لديه افكار يعبرعنها لغيره وعليه ان يستمسك بقيم الحرية والعدالة،ولايقبل بالحلول الوسط، كما يجب كما عليه التحدث باسم العامة في معارضة جميع اشكال السلطة منطلقاً مما يؤمن به من قيم ومبادئ انسانية عامة ومؤكداً ان ينهض المثقف بدور الهاوي وليس المحترف».
فصول كتاب أدوارد الستة تكمل بعضها البعض، وتعطى للقاري بوضوح وجهة نظرهذا المفكر حول قضية متشابكة خاض فيها قبله وبعده كثير من الكتاب والمفكرين، قضية علاقة المثقفون بالسلطة،ودورهم المناط بهم في هذا السياق،فأستعرض في الكتاب صور تمثيل المثقَّف، وحددهما بتعريفين مختلفين مستشهداً براي انطونيو غرامشي من «إن جميع الناس مفكرون، لكن وظيفة المثقف أو المفكِّر في المجتمع لا يقوم بها كلُّ الناس». كما ركز أدوارد في هذا الفصل على أن المثقف ليس مجرد مهنة يمارسها شخص محدد، ينظرإلى عمله، باعتباره «شيئًا يؤديه لكسب الرِّزق، ما بين التَّاسعة صباحًا والخامسة مساءً، وعينه على السَّاعة، والعين الأخرى مصوبة نحو ما يُعتبره السُّلوك المهني الصَّحيح؛ أي عدم قلقلة المركب، وعدم الانفلات خارج النَّماذج أو الحدود المقبولة، وأن يجعل نفسه قابلًا للتَّسويق، وقبل كل شيء، لائق المظهر، ومن ثمَّ، يصبح لا خلاف عليه، ويصبح غير سياسيِّ؛ بل يصبح موضوعيًّا».. لكن المثقف عند ادوارد سعيد شخص «يتمتَّع بموهبة خاصة» يمكن من خلال هذه الموهبة نقل رسالة ما أو وجهة نظر، أو فلسفة معينةأو تبني موقف معين.
كما لخص ادوارد سعيد الاختلاف بين الثقافات والمثقفين مبيناً أن «كلُّ مثقَّف يعكس واقعًا معينًا لبلد معين لتاريخ معين لأحداث معينة لفشل أو لانتصار معيَّنين». يبدو في العالم العربي خصوصًا أنَّ دور المثقَّف هامشيٌّ، لأنَّ السلطة هي سلطة المجتمع والسياسة وسلطة رجال الدين هي السائدة، وعبِّر ادوارد سعيد في كتابه عن منفى المثقَّفين مبيناً أنه يمكن تقسيم المثقفين إلى منتمين وغير منتمين. فالمنتمون لمجتمعاتهم ويتكيَّفون في واقعها القائم والذين تزدهر أحوالهم فيها دون الإحساس بالاختلاف والمغايرة وهم أولئك الذين هم من ناصية «نعم» أما الذين هم في شقاق مع واقع مجتمعاتهم والذين هم من ناصية «لا» والمنفيُّون من مزايا السلطة ومظاهر التكريم،موضحا «إنَّ المغترب الذي يدفعه إحساس المنفى لا يستجيب إلى منطق ما هو تقليدي عرفي بل إلى شجاعة التجاسر، وإلى تمثيل التغيير، والتقدُّم إلى الأمام لا الثبات دون حركة».
ومع ان المفكر ادوارد سعيد تناول بشكل موسع ومستفيض علاقة المثقف بالسلطة منذ اكثر من عقدين من الزمان، الا انه أكد انه «وعلى مر التاريخ الحديث، فكل الثوراث كان محركها المثقفين» وقد حدد أدوار هؤلاء المثقفين لكنه لم يتنبأ إن صحت المفردة أو لم يحدد مكانة المثفقين في هذه الثوراث، كما لم يحدد طبيعة هذه الثوراث، وماذا قدم لها المثقف؟!

السبت، 17 يونيو، 2017

أطلقوا سراح جابر العبيدي


عيب وعار على جيش مسلح بأسلحة فتاكة قوية، شعاره تحقيق الكرامة، أن يتجرأ صبيانه على خطف واعتقال وإهانة رجل بحجم جابر العبيدي لأنه باع مسدسه الصغير وسلاحه الشخصي الذي يدافع به عن نفسه، في وجود جيش عجز عن توفير الأمان له، رجل أفرغ  مسدسه من رصاصاته وقرر ان يبيعه، ليعالج بثمنه جسم أنهكه المرض وهو يبحث عن كرامة الوطن كله قبل الجيش وصبيانه.
الكاتب والناشط المدني جابر العبيدي كان مهاجما مدنيا شرسا من أجل كرامة الوطن الليبي كله، قبل أن يتصدر المشهد عسكر يزين  ملابسه وأحذيته  بنياشين ملونة ترمز للكرامة... نعم كان العبيدي مهاجما مهما في فريق قوي فيه عبدالسلام المسماري ومفتاح بوزيد وسلوى بوقعقيص يقاتلون بالكلمة الصادحة الواضحة الصريحة بلا سلاح ولانياشين ولا شعارات،بل فريق مدجج بالكلمات القوية الرنانة  يطالبون بشدة وأصرار بدولة الديمقراطية والعدل والمؤسسات والقانون.. في وقت كان بعض جنرالات الكرامة، يطلقون لحاهم، ويخبئون رتبهم ونياشينهم وينامون في بيوتهم ولايخرجون منها لأيام خوفا من أن يحصدهم الموت بكاتم صوت أو لعبة أطفال ملغومة، فيما كان بعضهم الاخر من قاداتهم وزعمائهم  بلا كرامة يهادنون الظلم والذل  بل ويتلقون شهائد التكريم ممن اتهموهم لاحقا بأنهم ضد الكرامة.
عيب أيها الجيش الكريم، أن تزج بهامة ليبية بحجم الكاتب الأستاذ المحترم جابر العبيدي في غياهب سجون الظلام، وتحت رحمة من لا يرحم يذيقونه الذل والهوان وهو من سبقهم وسبقكم في البحث عن كرامة الوطن بلا اعلام يطبل، ولا نياشين تلمع على اكتاف مرتجفة، وبلا سيارات مصفحة، وبلا ارتال حراسات وبلا سترات واقية للرصاص.
عيب يا جيش أطلقوا سراح الكاتب جابر العبيدي فوراً، دون أي قيد أو شرط، وحققوا مع من أمر بالقبض عليه، ومع من نفذ الامر، واعتذروا له بشدة لأنه تبث أن جيشكم (مايعرفش التريس) أو يخاف منهم، اطلقوا سراحه فورا واعتذروا له وكرموه أيضا لأنه كان يناضل من أجل أن تكون لكم كرامة يامن عندكم الكرامة مفردة بلا معنى تحضر وتغيب.. غيب الله عن الدنيا كل من كان سببا في إهانة زميل الحرف والكلمة جابر العبيدي.

الخميس، 15 يونيو، 2017


ليبيا المستقبل (حوار: سالم أبوظهير): البروفيسور حامد السعيد بموعد مسبق التقيته في  مكتبه بالطابق الثاني لمبنى مدرسة التجارة بجامعة متروبوليتان في مانشستر، هو أكاديمي كبير متخصص ومستشار لهيئة الأمم المتحدة في شؤون الإرهاب ومكافحة التطرف، وأستاذ محاضر في الأعمال التجارية الدولية والاقتصاد السياسي.. ومباشرة ولوقته المحدد بدقة كان حصيلة اللقاء سلة من الأسئلة المهمة، والاجابات الأكثر أهمية، حول احداث مانشستر الاخيرة، وكيف تعاملت أجهزة الامن البريطانية مع الحادث، وتاثير وتداعيات هذا الحادث المؤلم بشكل عام على الليبيين والعرب والمسلمين ، كما تضمن الحوار بعض النقاط المهمة الأخرى ذات العلاقة والجديرة بالمتابعة والاهتمام فلنتابع نص الحوار.
- بصفتك مستشاراً لهيئة الأمم المتحدة في مجال مكافحة التطرف والإرهاب كيف تفسر عجز أجهزة الامن البريطانية عن وقف التفجير رغم أنه المتهم بالتفجير ووالده معروفان لديهم؟
 السبب يرجع إلى أن بريطانيا لديها ثلاثة الاف شخص مصنفين على أنهم خطيرين، وهم تحت مراقبة أجهزتها الأمنية، ومن ضمنهم هناك 500 شخص هم الأكثر خطورة وتحت نظر ومراقبة الأجهزة الأمنية على مدار الساعة، وهؤلاء الثلاثة الاف والخمسمائة من ضمن قائمة طويلة فيها ثلاثة وعشرون ألف شخص هم تحت مراقبة الحكومة البريطانية وأجهزتها الأمنية بشكل أو بأخر. وعلى هذا الأساس يتم التصنيف كدرجة أولى او درجة ثانية، وقد يتوقع نشاط الشخص الإرهابي ولكن ليس شرط في الوقت الذي تتوقعه الأجهزة الأمنية، وقد تشمل هذه التصنيفات اشخاص يقدمون مساعدة للشخص المتوقع منه ارتكاب العمل الإرهابي، وهنا يمكن التوقع ان العبيدي وضع في التصنيف الخطأ من قبل الأجهزة الأمنية التي أخطأت في وضعه في التصنيف المناسب فحدث ما حدث.
- الى أي حد يمكن القول ان الإرهاب لا يمكن إيقافه او التقليل منه الا بالعمل على تهدئة الأوضاع في البلدان الغير مستقرة والوافد منها الإرهاب نفسه.
• هذا كان من أول توصيات اخر استراتيجية للأمم المتحدة والصادرة في 2016م والقاضية بمنع ومكافحة الإرهاب، بتجفيف منابعه، عن طريق حل الصراعات العالقة، بما فيها الصراع العربي الإسرائيلي، وفي ليبيا العراق وسوريا واليمن.
- هل تعتقد انه لا يمكن القضاء على الإرهاب بشكل نهائي دون اتخاد إجراءات صارمة ولو كانت هذه الإجراءات خارج إطار حقوق الانسان مع المتطرفين والمتشددين من أي نوع وشكل؟
"القضاء عن الإرهاب بشكل تام مطلب مستحيل لا يمكن أن تحققه أي دولة في العالم"
• أولا الحديث عن القضاء عن الإرهاب بشكل تام، حديث غير عقلاني، لأنه لا يمكن القضاء على الإرهاب، ويجب ان لا تكون استراتيجية أي دولة في العالم منصبه لتحقيق هذا الهدف بشكل مطلق، لان هذا مطلب يتطلب موارد وامكانيات لا تملكها أي دولة في العالم. لذلك فأي استراتيجية تهدف للقضاء نهائيا على الإرهاب هي استراتيجية غير واقعية. وثانيا لدينا الجريمة الجنائية العادية عاجزين كمجتمع انساني من التخلص منها بشكل نهائي فكيف يمكن القضاء على الاهاب نهائيا. من جانب اخر استراتيجية الأمم المتحدة تقوم بربط وثيق جدا بين  التخفيف من الإرهاب وقضية حقوق الانسان، بالرغم من انهما متشابكتان  لكن لايوجد تعارض بينهما، لذلك فليس هناك داع فليس هناك داع لتنتهك حقوق الانسان بحجة مكافحة والتغلب على  الإرهاب.. والحل قد يكون أيضا بتحسين حقوق الانسان في كل دول العالم بما فيها منطقة الشرق الأوسط، وبذلك نضمن لحد كبير جدا جداً التقليل من سطوة الإرهاب. اما بخصوص مشروعية استخدام اجراءات رادعة ضد المتطرفين تحديداً خارج إطار حقوق الانسان، فالقانون واضح في هذا المجال من يقوم بعمل إرهابي فهو اجرامي دون النظر ان كان متطرفا او لم يكن.
- هذا يجرنا لسؤال اخر فرغم حدوث العمل الإرهابي وادانته لكن عنف مداهمات أجهزة الامن وتفجيرها لمداخل وابواب بعض البيوت المشتبه بها، والتي تبث بعدها انه لا علاقة لهم بالتفجير ولا بالمفجر بماذا تعلل هذا العنف من جانب أجهزة الامن؟
"مع تطور الإرهاب تطورت تبعا لذلك أساليب الاقتحام للاماكن المتوقع انها ماؤى لللارهابيين"
• الطريقة التي تتعامل بها الشرطة مع الإرهاب، مهمة جداً وحساسة، فالشرطي هو أول من يصل للمكان، لذلك الفعل الذي يقوم به  وطريقة اقتحامه للمكان مهمة جدا وله دور في تخفيف ازدياد هذا العمل الإرهابي وتكراره، لكن ما حصل في الآونة الأخيرة في اوربا وفي أماكن أخرى، أصبحت الشرطة تتردد ان تقتحم بشكل عادي، لكن الإرهاب تطور ومن الممكن ان يقوم الإرهابي بتفجير نفسه في افراد الامن المقتحمين، ومع تطور الإرهاب تطورت تبعا لذلك أساليب الاقتحام، واصبح الشرطي ان يقوم بإجراء يحسبه البعض مخالفا لحقوق الانسان.
- هل تعتقد أن وراء هذا العمل الإرهابي تنظيم إسلامي أم لا؟
• لا أعتقد أن وراء العمل تنظيم، ولكن أعتقد أن وراءه شبكة، وهذه الشبكة صغيرة الحجم مكونة من أصدقاء، أو رفاق شارع،   مؤمنين بهذا النهج، ويصعب اختراقها وكشفها تبدأ في مانشستر وتنتهي في ليبيا، ولها بعد دولي او إقليمي يصل لليبيا حيث تدرب الشاب هناك تدريب كامل ليستطيع صنع قنبلة في أربعة أيام، ولا يمكن له ذلك بالاستعانة بمواقع انترنت ليعرف كيف يصنع قنبلة.
- تداعيات هذا الحدث على ليبيا هل تعتقد أن بعد ارتكاب هذا التفجير الإرهابي سيقوم الغرب بدعم الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر بشكل اكبر؟
"هذا الحادث الإرهابي ستنعكس تداعياته على سوريا والعراق وعلى  المنطقة العربية كلهاا"
• هذا ممكن جدا، وسوف يستغل حفتر ما حصل ليدعم موقفه بشكل كبير، وموقف الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، بل ستكون تداعيات هذا الحدث أوسع واشمل حيث سيتم الضغط على داعش في سوريا والعراق، وان عمليات حفتر العسكرية ستتوسع بشكل كبير ليصل او يقترب من العاصمة. وهذا الحادث الإرهابي ستنعكس تداعياته على سوريا والعراق وعلى  المنطقة العربية كلها، وسوف يؤدي لتغير السياسات الغربية تجاه المنطقة، فكل ما يتعلق بالعمليات الإرهابية سيتم التحالف ضدها ولو سيتم التحالف حتى  مع بشار الأسد في سبيل القضاء على هذه الحركة الإرهابية .
- هل ما حدث في قطر وقطع علاقة بعض الدول معها له علاقة بالحادث الإرهابي بمانشستر باعتبار ان قطر تدعم الاخوان المسلمين؟
• ليس له أي علاقة اطلاقا...
- لماذا اذن حصلت المشاكل مع قطر في هذا التوقيت بالذات؟
• لا تعليق عندي...
- هل تعتقد ان الحادث غير من نظرة الشارع البريطاني وطريقة تعاملهم مع الليبيين والعرب والمسلمين بشكل عام؟
• نعم لللاسف الشديد انا اعتقد جازما، ان ما حدث ستكون له تداعيات وعواقب سلبية على المسلمين في اوربا كلها وليس بريطانيا فقط.
- وهل تعتقد ان الحادث سيكون له تأثير على سير الانتخابات البريطانية؟
• نعم هو اثر بالفعل وليس سيؤثر الان الفجوة بين المحافضين والعمال تقلصت الان بشكل كبير جدا، على الأقل المحافضين لن يحصلوا على الأغلبية العظمى التي كانوا يأملون في الحصول عليها، هذا ان لم يخسروا الانتخابات بشكل كامل.  

الثلاثاء، 13 يونيو، 2017

لماذا اتخذ الإخوان والجماعة المقاتلة «مانشستر»ملاذاً آمناً لهم؟

«المجلة »ترصد ردود فعل الليبيين المقيمين في بريطانيا بشأن تفجيرات لندن ومانشستر

مانشستر: سالم أبو ظهير

نحو7 آلاف ليبي يقيمون في المدينة الواقعة شمال غرب إنجلترا

•القنصل الليبي: دولة ليبيا أدانت العمل الإرهابي الجبان الذي لا يعرف حدودا ولا يفرق بين جنسية وأخرى… وأرسلت وزارة الخارجية برقية تعزية للمملكة المتحدة

•ضابط سابق بالاستخبارات الليبية: والد منفذ الهجوم كان على علاقة وثيقة مع «المقاتلة» الليبية أيام القذافي وقد منحته بريطانيا حق اللجوء فيها ومعه مجموعة كبيرة احتضنتهم مدينة مانشستر

•استقبل الملك إدريس السنوسي عام 1949 ثلاثة من تنظيم الإخوان المسلمين فارين من الحكومة المصرية بسبب اتهامهم باغتيال النقراشي… والتحقت بهم مجموعة أخري عام 1954 بعد فشل محاولتها في اغتيال جمال عبد الناصر وأسس المجموعتان أول تنظيم ليبي للإخوان في طرابلس عام 1968

•القذافي صنف الإخوان المسلمين جماعة محظورة معتبراً الانخراط في أي حزب أو جماعة جريمة يعاقب عليها بالإعدام

ليلة الاثنين الثاني والعشرين من مايو (أيار) 2017، ونحو الساعة العاشرة وخمس وثلاثين دقيقة انتهت الفنانة الأميركية آريانا غراندي من أداء آخر أغنياتها في قاعة مارينا للحفلات بحضور أربعة عشر ألف شخص أغلبهم من الأطفال والمراهقين، لتبدأ مأساتهم بعدها بقليل، بكثير من الخوف والذعر والرعب، بسماعهم لانفجار مدوٍ ردوا عليه بالتدافع والصراخ، فيما كان آباؤهم وأمهاتهم في انتظارهم بالخارج يعيشون خوفاً وذعراً ورعباً من نوع آخر، تبين فيما بعد للقريبين من مارينا وللعالم كله أن الانفجار المرعب أودى بحياة 22 شخصا وإصابة 116 ممن حضروا الحفل.

تعليق حملة ماى الانتخابية

بشكل سريع جداً تبنى تنظيم داعش التفجير في بيان له على شبكة الإنترنت، ومن ضمن ما جاء فيه: «إن هذا التفجير تم بمعية الله وفضله وثأرا لدين الله. وإن أحد جنود الخلافة تمكن من وضع عبوات ناسفة وسط تجمع في مبنى أرينا للحفلات الماجنة وأسفر عن هلاك 30 صليبيا وإصابة 70 آخرين».
أول تداعيات التفجير سياسيا كان تعليق حملة تيريزا ماى رئيسة وزراء بريطانيا الانتخابية التي كانت قد دعت إليها قبل أسبوعين من الحادث لتعزيز أغلبيتها من أجل إجراء المفاوضات حول البريكست، لتخرج بعد الحادت مؤكدة في تصريح سريع لها أن هذا العمل إرهابي ومروع.
وبعد أسبوع واحد فقط من الحادث قال جيرمي كوربن زعيم المعارضة في أول مواجهة تلفزيونية مع تيريزا ماي: «يجب أن تتبع بريطانيا سياسة خارجية تشمل العالم بأسره، وأن لا تترك بعض المناطق من دون حكومة فاعلة مثل ليبيا».
التركيبة الاجتماعية لمدينة مانشستر ربما متميزة عن بقية المدن الكبيرة البريطانية؛ ففيها إلى جانب السكان الأصليين من الإنجليز كثير من المهاجرين الآسيويين والأفارقة والعرب وكثير أيضاً من الليبيين إذا ما قورنوا بعددهم كمهاجرين ليبيين في مدن أخرى وحتى دول أخرى. ويقترب عددهم من سبعة آلاف شخص، وصل بعضهم وأقام فيها منذ السبعينات، وكان معظمهم من النشطاء الذين كانوا يعارضون نظام معمر القذافي في تنظيمات أو بشكل فردي مستقل. ويشكل تنظيم الإخوان المسلمين وتنظيم الجماعة المقاتلة أهم هذه التنظيمات التي وجدت في مانشستر ملاذاً آمناً لها.

الليبيون بين تشتيت القذافي وحصار الجماعات الإرهابية

وقد تميز معمر القذافي بقدرته ومهارته في التعامل مع معارضيه من «الإخوان» و«المقاتلة»، وتروي سجلات التاريخ الليبي المعاصر جوانب مختلفة، عن العلاقة بينه وبينهم، وبين كل من يطمع في الانقلاب عليه، وإزاحته عن الحكم، ليحكم هو الليبيين بدلاً منه.
فبعد أن قسم البلاد الليبية الكبيرة جداً، إلى مربعات أمنية صغيرة جداً تحصي البشر وتعرف نشاطاتهم وتحسب وتحبس أنفاس كل من يحاول التخطيط لقلب نظام الحكم، نجح في استخدام السوط والمشنقة والاغتيال لينهي معارضيه ويزيحهم، بنفس المهارة التي استخدم بها الجزرة مقربا معارضيه منه، ليكونوا سفراء ووزراء وشخصيات مرموقة تسانده شكليا وظاهريا في الحكم، لكنه احتواهم بذكاء، مستعينا بنجله سيف الذي سار على نهج والده مستبدلاً تقاسيم وجه والده التي يخافها بعض معارضيه بنصف ابتسامة رضا كانت كفيلة بعودتهم بل وتعويضهم، فيما حرص جهاز الأمن الخارجي والداخلي على تصنيف المعارضين بحالتين لا ثالث لهما: «كلب ضال»، أو «رجع نادماً»!!
وبذلك تمكن القذافي من كشف كل المحاولات الانقلابية، التي كانت تستهدف رأسه وخيمته ونظامه الجماهيري الذي استند عليه ليتربع ويستمر أطول مدة لحاكم يحكم ليبيا على مدى تاريخها الطويل، لكن المعارضين أصحاب التوجه الديني شكلوا خطرا حقيقياً عليه في كل محاولة، وعند تشكيل أي فصيل معارض جديد، وكان أخطر هذه الفصائل ما يعرف بتنظيم جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم الجماعة الإسلامية المقاتلة.
أما علاقة معمر القذافي بالغرب فكانت معقدة جداً، وتحتاج لمتخصصين على درجة عالية من الكفاءة والنزاهة والموضوعية ليدرسوا طبيعة هذه العلاقة وأساساتها، وتباينها على مدى أكثر من أربعة عقود، وأحسب أنه بكشف هذه العلاقة بين معمر عندما كان يحكم، ودول الغرب بما فيها بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وروسيا ودول المعسكر الشرقي وأيضاً أفريقيا وآسيا وكل دول العالم تقريباً، يتم تفسير كثير جداً مما حدث في ليبيا بعد مقتله، وتداعيات مقتله، وما زال يحدث الآن في ليبيا من فوضى وعدم استقرار لدول الغرب التي وفرت لهم المسكن والملبس والتعليم ومنحتهم حتى الجنسية لتستخدمهم كورقة ضغط عليه، تماماً كما كان هو يستخدم رؤوس الأفارقة سلاحا مهدداً بأنه سيغزو أوروبا كلها برؤوسهم.

تأسيس أول تنظيم ليبي للإخوان المسلمين

بعد مقتل القذافي في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011م مباشرة الذي كان للثوار ذوي التوجه الإسلامي دور أساسي فيه، طرحت بعض المجموعات توجها بشكل علني، وبدأت تقدم خطابها من خلال الربط والتلازم بين الدين الإسلامي بما أملاه من عقائد وعبادات، وقيم وجدانية وأخلاقية، ومشاريع الإسلام السياسي، المتمثل في قيام الدولة الدينية المبنية على أسس الشريعة الإسلامية، كمصدر وحيد للتشريع. وبشكل تدريجي بدأت كثير من التيارات الإسلامية (إن صحت التسمية) تسعى بشكل ظاهر أو مخفي إلى احتكار التراث الإسلامي، من خلال النظرة الأحادية في التعامل مع هذا التراث وتوظيفه بالقدر الذي يمكنها من إنجاح المشاريع السياسية لهذه التيارات الإسلامية، وذلك عن طريق العمل بشكل معلن أو مخفي على خلق هوية إسلامية انعزالية، لا تقبل الآخر، وتجعل من هذا الآخر عدواً دائماً لها ينافسها على تسلم السلطة.
عام 1949م استقبل الملك إدريس السنوسي ثلاثة من جماعة الإخوان المسلمين فارين من الحكومة المصرية بسبب اتهامهم باغتيال محمود فهمي النقراشي رئيس وزراء مصر آنذاك، ثم التحقت بهم مجموعة أخري، عام 1954 بعد فشل محاولتها في اغتيال جمال عبد الناصر، ونجحت المجموعتان في تأسيس أول تنظيم ليبي للإخوان المسلمين في طرابلس عام 1968م.
القذافي اعتبرها جماعة محظورة من ممارسة نشاط سياسي، معتبراً الانخراط في أي حزب أو جماعة جريمة يعاقب عليها بالإعدام.
محمد عبد الملك، المعروف في عدد من مساجد مدينة مانشستر بأبو سندس وهو المتحدث الرسمي السابق لجماعة الإخوان المسلمين الليبية قبل خروجه منها، وكان الممثل لجماعة الإخوان المسلمين في أوروبا وحاليا هو عضو هيئة أمناء مؤسسة الشباب المسلم بمدينة مانشستر. يعيش أبو سندس في بريطانيا منذ ما يقارب أربعة وثلاثين عاما، يتمتع بالجنسية البريطانية ويقيم الآن في ضاحية بجنوب مدينة مانشستر. عن الحادث قال أبو سندس: «إن ما حدث يعد صدمة لنا جميعا، ولم أتوقع إطلاقا أن مثل هذا التفجير يقع ويكون المنفذ من أصول ليبية، وخصوصا قتل الأبرياء والأطفال منهم، فأنا أب وجد وأعي جيدا ما عانته أسر الضحايا في التفجير الغادر». وأضاف: «من المؤسف أن تكافأ مانشستر بمثل هذا العمل المشين».
من جانب آخر قال الشيخ ونيس المبروك الفسي، أحد أعضاء ومنظّري جماعة الإخوان المسلمين إنه لم يغادر بريطانيا نهائيا، وما زال أولاده يدرسون بها، لكنه يتردد حسب قوله بين تركيا وبريطانيا. وأضاف موضحا أن صلته بالإخوان أنتهت، وأن صفته الحالية التي يتعامل بها مع الإعلام هي رئيس المركز المغاربي للدراسات وعضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. كتب الفسي على صفحته الرئيسية في موقع «فيسبوك» مبينا أن الشاب الذي قام بعملية مانشستر، ارتكب عدة جرائم في آن واحد؛ فقد أجرم في حق الضحايا، وفي حق القيم الإسلامية، وفي حق والديه وأسرته، وفي حق نفسه، وفي حق أمته، وشجع على حملات التشويه لصورة الإسلام في عقول غير المسلمين، وأنه أجرم في حق الجالية المسلمة، وزاد من الضغوطات المعنوية والاجتماعية والقانونية عليهم. وأضاف: «ينبغي أن نبحث بكل شجاعة وموضوعية عن الأفكار المؤسسة للغلو والإرهاب، وتطويقها قبل استفحال آثارها».
الشيخ المبروك الفسي ختم حديثه معي بقوله: «هذا هو تعليقي على الحدث، وهذا ما أدين لله به، وبالمناسبة أنا بطبيعتي لا أجامل لا الإنجليز ولا غيرهم، فليس عندي ما أخافه ولا ما أستحي منه، وأشعر أنني في بلد يهتم بقيمة العدل والحرية ولا يقيم أحكامه على الظلم والزور»

حل تنظيم الجماعة الليبية المقاتلة

تنظيم الجماعة الليبية المقاتلة الذي تم حله أخيرا، كان أحد التنظيمات الجهادية القوية التي أرقت نظام القذافي وأقلقته جداً، لكنه تمكن من احتوائها والتصالح معها، فأطلق سراح قادتها من السجن لينقلبوا عليه لاحقاً، ويتمكنوا من الوصول إلى السلطة والسيطرة على كثير من مقاليد الأمور في ليبيا بعد ثورة فبراير (شباط) 2011م.
وبحسب شهادة أدلى بها مجدي المجذوب ضابط الاستخبارات الليبية السابق، فإن والد منفذ الهجوم كان على علاقة وثيقة مع «المقاتلة» الليبية أيام حكم القذافي وقد منحته بريطانيا حق اللجوء فيها ومعه مجموعة كبيرة احتضنتهم مانشستر بالذات، فيما عادت مجموعة منهم إلى ليبيا بعد 2011م وتولوا مناصب مهمة.
من جانب آخر يؤكد عادل أريني رجل الأعمال الليبي أنه يعرف والد منفذ الاعتداء شخصيا وأنه شخصية راديكالية متطرفة.
القنصل الليبي بالقنصلية العامة في مانشستر الدكتور نجيب مصطفى السراج فور سماعه لخبر الانفجار التحق بمكتبه في القنصلية العامة، وأصدرت القنصلية العامة في مانشستر في نفس الليلة بيانا موجهاً لليبيين المقيمين بالمدينة طمأنتهم فيه بأنه «واستناداً إلى تقارير الجهات الأمنية الأولية فإنه لم ترد أخبار للقنصلية بوقوع إصابات بين الليبيين من الجالية الكريمة وأن القنصلية على تواصل مع الجهات الأمنية في الموقع وستوافي مواطنيها بأي جديد». ووضعت في البيان أرقام الطوارئ لتسهيل الاتصال العاجل في حال حدوث أي مكروه. بعدها تبين أن الضحية الوحيدة كان بريطانياً من أصول ليبية وهو منفذ الهجوم. سألت القنصل عن ردة فعله بعد سماعه بما حصل من ضلوع العبيدي في هجوم آرينا فقال: «الجهات الليبية الرسمية أصدرت بيانا من وزارة الخارجية وأرسلت برقية تعزية للمملكة المتحدة ولا أجد ما أضيفه على البيانات الرسمية إلا أن دولة ليبيا أدانت هذا العمل الإرهابي الجبان الذي لا يعرف حدودا ولا يفرق بين جنسية وأخرى»..

مسجد «السنة » القريب من قاعة مارينا مركز تجمع مهم للمسلمين

وفي حي شيتمهل القريب من قاعة مارينا، الذي يقطنه عدد لا بأس به من أبناء الجالية الليبية والمسلمة بشكل عام، يوجد مسجد السنة وهو مسجد صغير من طابقين أنشىئ عام 2000م، ولكنه مركز تجمع مهم للمسلمين، ويدار ويصرف عليه بجهود التبرعات والمصلين، إدارة المسجد أصدرت بيانا استنكرت فيه الحادث وأكدت أنه لا يمت للإسلام بصلة، ولا علاقة لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف بقتل الأبرياء، زارت الشرطة البريطانية مسجد السنة صباح اليوم التالي لوقوع التفجير، وطلبت من إدارة المسجد إبلاغ المصلين بضرورة توخي والتزام الحذر وأن الشرطة في خدمة المسجد وفي حال حدوث أي ردة فعل من المراهقين أو أي ممن يسكنون قريبا من المسجد، عليهم الاتصال فوراً بأرقام الطوارئ، المسجد يرتاده كثير من المسلمين وإن كانت الأغلبية من الليبيين، وعلى بعد أمتار قليلة يقع البيت الذي قامت الشرطة بمداهمته وإخراج العائلة الليبية التي تقطنه للاشتباه في تورط أحد المقيمين بالبيت بما حدث.
الليبي عبد الحكيم برم قال: «إن الحادث الذي وقع ضحيته مدنيون، هو بلا شك عمل إجرامي لا نرضاه في أنفسنا أو على غيرنا، وانزعجنا أكثر بعد الكشف عن هوية المتهم الذي أعتقد أنه حتى الآن مجهول المصير، فلا معلومات دقيقة عنه، ولا وجود لجثة أو حتى أشلاء منها للتحقق من هويتها، تابعنا كلنا ردود الأفعال من شديدة وقاسية إلى معتدلة وعقلانية». وأضاف: «أود التذكير بأن الليبيين في المملكة المتحدة ليسوا فقط ممن يحملون أفكارا متطرفة، ولكن فيهم أيضا من يحمل العلم والتدين والاعتدال، فيهم المتعلم والبسيط الذي يحظى باحترام الجميع ومنهم من أبدع وفرض وجوده في مجاله وتفوق على منافسية، ومنهم أيضاً من مُنح الأوسمة التكريمية من المملكة نفسها، وفيهم التاجر. لذلك لنبتعد عن التعميم والقلق، ولا نربط هذه الأفعال بديننا فهو بريء منها، هذه الجرائم قد تصدر من أي شخص يحمل جنسية أخرى فالإرهاب لا دين له، إلا أنهم يُوصفون بالمضطربين النفسيين إن كانوا غير مسلمين ولدينا من الأمثلة ما يكفي».

صدمة الجالية الليبية في مانشستر

ناصر الشكري كاتب ومتابع للشأن الليبي وكان مستشاراً سياسياً لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا يقيم في مانشستر، قال: «إن تهاون البعض وغض الطرف عن انتشار الفكر المتطرف والمستعد لاستعمال العنف واستهداف الأبرياء أدى إلى نتيجة حتمية أن يخرج من أبناء الجالية الليبية في مانشستر من ارتكب هذا الفعل الإجرامي» ويتساءل الشكري: «متى يا تُرى نستشعر خطر هذا الفكر على أولادنا؟ ومتى نتوقف عن ممارسة سياسة التجاهل ودفن الرأس في الرمل وكأن شيئاً لم يكن». ويضيف: «ها هي الجالية الليبية اليوم تعيش في صدمة وحيرة وذهول مما حدث وخصوصا الجيل الجديد الذي أثرت هذه الحادثة فيه وفِي آماله وتطلعاته ومستقبله». واختتم حديثه بالقول: «لقد تحدثت مع طائفة منهم فوجدتهم مصدومين وقلقين من تداعيات هذا الفعل عليهم وعلى فرص اندماجهم وانخراطهم في المجتمع الذي ولدوا وترعرعوا فيه ودرسوا في جامعاته وينتظرون أن يحظوا بوظيفة توفر لهم فرصة للعيش الكريم والمستقر فإذا بهذه الجريمة الشنعاء تضع مزيداً من العراقيل والمثبطات أمام أمنياتهم وأحلامهم».

مستشار الأمم المتحدة في مكافحة الإرهاب لـ «المجلة»:
مواجهة الإرهاب صعبة و«مانشستر» سيؤثر على مسلمي أوروبا جميعاً

يرى البعض أن وقف موجات الإرهاب التي تضرب في القارة العجوز وفي كل الدول صعبة دون إجراءات تتجاوز أحيانا المواثيق الدولية لحقوق الإنسان عند محاربة الجماعات الإرهابية، فهل يمكن حماية المجتمعات دون انتهاكات لقوانين حقوق الإنسان؟ وفي حال بريطانيا كيف يمكن حماية المواطنين إذن إذا كان منفذو العمليات الإرهابية مسجلين تحت المراقبة ومع ذلك استطاعوا تنفيذ عملياتهم؟
حول هذه الأفكار وغيرها التقت «المجلة» بالبروفسور حامد السيد مستشار الأمم المتحدة في مكافحة الإرهاب (CTITF)، وكان اللقاء على خلفية تفجير مارينا بمدينة مانشستر. وأشار السيد في البداية إلى أن بريطانيا لديها ثلاثة آلاف شخص تحت مراقبة أجهزتها الأمنية، وهم ضمن قائمة طويلة تشمل 23 ألف شخص تحت مراقبة الحكومة البريطانية وأجهزتها الأمنية بشكل أو بآخر. وهنا يمكن توقع أن العبيدي وضع في التصنيف الخطأ من قبل الأجهزة الأمنية فحدث ما حدث.
تجفيف منابعه، عن طريق حل الصراعات العالقة، بما فيها الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك الصراعات في ليبيا والعراق وسوريا واليمن.
وأضاف أن «الحديث عن القضاء على الإرهاب بشكل تام، حديث غير عقلاني، لأن هذا يتطلب موارد وإمكانيات لا تملكها أي دولة في العالم… من جانب آخر استراتيجية الأمم المتحدة تقوم على الربط الوثيق جدا بين مواجهة الإرهاب وقضية حقوق الانسان، فعلى الرغم من أنهما متشابكتان لكن لا يوجد تعارض بينهما. أما بخصوص مشروعية استخدام إجراءات رادعة ضد المتطرفين تحديداً خارج إطار حقوق الانسان، فالقانون واضح في هذا المجال: من يقوم بعمل إرهابي مجرم دون النظر إن كان متطرفاً أم لا».
وأشار المستشار الأممي إلى أنه لا يعتقد أن وراء حادث مانشستر تنظيم، «ولكن أعتقد أن وراءه شبكة، وهذه الشبكة صغيرة الحجم مكونة من أصدقاء، أو رفاق شارع، ولها بعد دولي أو إقليمي يصل لليبيا حيث تدرب الشاب على صنع قنبلة في أربعة أيام»
ويرى البروفسور السيد أن الحادث أثر بالفعل على الانتخابات البريطانية «فالفجوة بين المحافظين والعمال تقلصت الآن بشكل كبير جدا، على الأقل لن يحصل المحافظون على الأغلبية العظمى التي كانوا يأملون في الحصول عليها، هذا إن لم يخسروا الانتخابات بشكل كامل».
أما عن تأثير هذا الحادث على مسلمي بريطانيا، فيقول: «للأسف الشديد أنا أعتقد جازماً، أن ما حدث ستكون له تداعيات وعواقب سلبية على المسلمين في أوروبا كلها وليس في بريطانيا وحدها».